|
يحرص المفهوم التفكيكي على إنتاج موضوعه الفلسفي –
الجمالي ، غير الالسني أو النفسي بفرض تقويض أسس البناء
الميتافيزيقي الأوربي ، سواء لدى كانط وهيجل أو هيدجر
وسوسيرو البنيوية . ومن بين أهم المشكلات التي تصدت
لمعالجتها هي ( أحادية المعنى) هذه الأحادية يمكننا
تشبيهها بالقيمة النقدية للعملة ، التي يبقى ثمنها ثابتا ،
مهما اختلفت أشكاله ، فهل يمكن أن نحصر بنية مفهومية (
وحيدة المعنى) للأعمال الفنية؟
ربما يشك ( كانط) وأتباعه في ذلك لان التعبير الفني ، هو
تصميم محدد على مجموع ( الدالات) التي تقود الى تأويلات
مختلفة لايمكن حصرها تحت عناوين واضحة قاطعة ( أو مفاهيم
مخصوصة) . في حين يقف على الجانب المقابل ( هيجل) وأتباعه
حسب هلمسليف مناصرين لكافة ( المعاني) أو المضامين التي
تضم مجموعة من ( المدلولات) وهذا ما يعتبره دريدا من
مخلفات الميتافيزيقية التي تميز مابين التعبير والمضمون !!
فكانط يعتبر الجمال يحوز على إعجابنا من دون البحث عن(
مفهوم) محدد ، لمعرفة سر ذلك منطقيا.
وهذا المؤلف غير المهتم ، والمترفع يأتي مناقضا لنفعية عصر
الأنوار ونافيا لعقلانيته ولجذوره التاريخية والاجتماعية.
فما بات الفن خاضعا لقوانين خارجية ، تعليمية، دينية،
سياسية ، اجتماعية، بل هو مستقل يخضع لأهدافه الخاصة
الداخلية فالمعرفة الفنية ذاتية نحصر موضوعاتها في رقعة (
زمانية ومكانية) للفرد ويجعل كانط جدارا مابين الأفكار
الجمالية وأفكار العقل ولايمكن أن تحل أحداهما محل الأخرى
حسب نظريته النقدية وفي كتابة نقد القدرة على الحكم (
الجمالي) يذهب الى أن هذا الحكم يقوم على أسس مفهومية غير
محددة لأنها تحفز صورا عديدة ، ليس بالإمكان اختزالها ،
وتبسيطها الى( عقل مفهومي) وأحادي فالنتاج الفني لايشير
بشكل خطي الى شيء محدد بل يتجاوز العمل الفني أي تصور (
مفهومي) ويزاحمه في ذلك مستوى آخر هو الاستذكارEvocation
أو في معنى آخر ( الدلالة المشتقة)
Connotationsوهي
مجموع القيم الشعورية التي تنتشر خارج حدود الكلمة ومعناها
الثابت والواضح هنا يقوض دريدا الخطاب الكانطي للفن فيجد
فيه تناقضا صارخا بين رفض الأحكام ( المنطقية ) تارة
وتثبيتها تارة أخرى في موقفها من (الجمال ) ويجد أن ( هذا
المسعى للتأخير المنطقي لاينجح أبدا في خطاب يعلن أن
الإطار في الفن يبقى ثانويا
)
دريدا يذهب الى أن اشتغال آلية تحليل الجمال وتفكيكها غير
المنقطع والمستمر لعمل ( الإطار) ترتبط بمقدار ما تصف ،
وفي الوقت ذاته تقسم المفاهيم ومذهب الحكم هذه التحليلية
الى( مربعات) تدعى غياب المفهوم في نشاط ( الذوق ) هنا ،
يأخذ دريدا على كانط تصوره للجمال مع مفهوم ومن دون مفهوم
في الوقت نفسه ويجد فيه مأزق منطقيا . فالعرض الكانطي
بالنسبة لدريدا يجمع ( اللامفهوم مع المفهوم ، الشمولية من
دون مفهوم والشمولية مع مفهوم ، المن دون وال مع) هذا
المأزق المنطقي لامخرج له أي ( فشل المفهمة بمقدار مايظهر
فجوة بين الجمال والمفهوم الذي ليس مفهوماته ) .
هذه المعرفة المحدودة المفهومية ، يقابلها ( هيجل) من
ناحية أخرى بمعرفة مجملة تتصدى لطروحات كانط عن ( الموضوع
في ذاته ) غير القابل للمعرفة !! بل تفضي الى مماهاة الذات
والموضوع ( ص15) بدلالة ذلك ( الميلاد الذي يبقى قائما في
البداية بين الذات والموضوع بين الوعي والواقع يتجاوزه في
الأخير ( ديالكتيك الجملة ) الذي تتعرف خلاله في العالم
الفعلي على إبداعها الخاص بها ( ص16 ) في حين كان يشدد
كانط على أصالة الجمال الطبيعي الذي يثير الإعجاب من دون
مفهوم ، كان يحرص هيجل على البرهنة بتفوق الجمال الفني ،
وتقريظه له على حساب الطابع الناقص للجمال الطبيعي .
ويعتقد هيجل بإمكانية وضع علم الجمال وكذلك تحديد
مفهوم خاص للفن
والطبيعة وان النتاج الفني ( الفردي) يظهر كشيء في
متناول التحليل
الفلسفي ( ص17) وان العقل بوصفه ذاتا يتعرف في
الموضوع الجمالي على
ميدانه الخاص به .
( لهذا السبب فان العمل الفني الذي ينسلب فيه الفكر من
ذاته يشكل جزءا من ميدان الفكر المفهومي وإذ يخضعه العقل
للفحص العلمي لايفعل غير إرضاء حاجة طبيعته الأكثر حميمية
) (ص18) فالفلسفي عند هيجل هو المرادف للبحث العلمي ، الذي
يتجاوز عفوية الظاهرة الفنية حين يتعرف في الظاهرة الفنية
على إيداعه الخاص به.
ويشرح ( جيرار برا) هذا التجاوز للفن باستنفاد التناقض بين
( الحسي ) و( العقلي) وهو افتراض مثالي تتم على أساسه
إعادة كل شيء في الأخير ، وفقا له الى هوية العقل بحد
ذاته.
هوية تشكل ( تيلوس )
Telos
التطور التاريخي الهيجلي الذي يفضي إلى امتصاص الفن بواسطة
الفلسفة ( العلم) يمكن لهيجل التأكيد على عدم رغبته في
اختزال الفن إلى ( المفهوم ) بمقدار مايتعرف
في الطابع المحسوس للفن على مايميزه عن الفكر الفلسفي
والديني ( لكنه يمتلك سلطة إعطاء هذه الأفكار الراقية
تصورا محسوسا يجعلها في متناولنا) (ص19) وهنا نلحظ
ثانويــــة
الفن ، وكأنه مجرد حاضنة لأفكار فلسفية ، تبرزها وتجعلها
في متناول أحاسيسنا !!
لاغير ، ويأخذ ( ادورنو) على هيجل ، تأسيسه علم جمال ،
يتلقى قوانينه من الخارج ، وتبقى الصورة الفنية عند ( بول
دومان) مايقاوم على الفور المفهمة النظرية التي كانت خاضعة
فيما مضى لشك جذري من جانب نيتشه (ص52) ويسعى أتباع دريدا
أمثال هارتمان ، ميلر ، دومان لكشف حدود الفكر المفهومي ،
عبر التشديد على أهمية اللغة التصويرية ، وعلى استقلالية
التعبير ( الدال) بالنسبة للمفهوم النظري.
وهم بذلك يناقضون الأطروحة الهيجيلية التي نرى وجوب إخضاع
الفن بوصفه نمط معرفة ( أدنى) للوغوس !! ( ص21)
إن الاحتكام للصورة الفنية ، ألغى توهمات هيجل
الميتافيزيقية عن أولوياته المفهومية وأسطورته النمطية عن
المعرفة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بيرف – زيما / التفكيكية دراسة نقدية.
تعريب اسامة الحاج.
المؤسسة الجامعية للنشر – بيروت 1996 .
*عميد
كلية الفنون الجميلة/جامعة بغداد
|