|
الحرب تنطق مرة واحدة
وتحيا خرساء الى الابد
لانها تبتلع لسانها مع اول الضحايا
كنت اراها هكذا, مثلما اتوهم من هشاشة مبرراتها وانمساخ تكوينها, وذلك
من فرط اعتدادي
بالحياة وهزئي بمضاداتها , ويخيل الي ان مثالية الفكر وانسانية المسعى
رسخت هذا الفهم
لدى الكثيرين حتى قلبت حروب الجنون وضحاياها المليونية نظرتنا لغول
الحرب فاستبد بنا
هوس البحث عن توصيفات أخر تليق بجنونها..
اراها الان غير ذلك , فهي عصية على الاحاطة في تخطيها لكل قياس,ودحضها
لكل التوقعات ..
الحرب التي اعرف والحروب التي مرت على ازماننا,
.
,
حرب قادرة عاتية و جبارة لاتهزم , وخالدة لا تدرك لها خاتمة , فهي
تراوغنا وتغافلنا و
تؤبد الموت فينا ,وتخلد الفناء فلا يفنى,بل تضاعف وتيرته في الوقت المتبقي
لعبورنا منه اليها
او لانشغالنا بها عنه,وهي ماضية في تفقيس بيوض التردي والجهالة لتدوم
في نسلها الممسوخ بين الجموع اليائسة..
الحرب تعيش الى مابعد الابد وتكتسب ميزة الخلود من حشرجة كلكامش ومن
الدود الذي التهم جسد انكيدو البهي في رجولته الضارية,ومن احزان الف الف
ارملة والف الاف ضحية..
وتمضي مع رعاتها قدما في الوقت والامكنة..
تسمع همهمات الحرب من هدير الجبل قبل الزلزلة , و يُرى شرر ها من وراء
عتمات الهزيع الاسود للزمن , وهي تكبر وتنمو وتتعالى وتتسع حتى تصير بسعة
العالم الارضي شبيهة الاساطير التي تنمو وتكبر بالتكرار, وتتضخم بالاضافات
المرتجلة من قبل الرواة والحكواتيين الذين يلحقون بالنص الاصلي ما يناسب
لحظة القص ونوعية المنصتين, فيلفقون ماشاؤوا من الوقائع المدهشة والبطولات
الخارقة التي سيدونها راو من جيل تال ويضيف اليها ركام اكذوبات غضة
تنعش جمودها الدهري حتى تتعاظم الاسطورة وتبتعد عند كل حقبة عن اصلها
وشكلها البدئي المحدود ..
الحرب تولد لتبقى والناس صورتها الزائلة ووجهها المتحول,وهي تتبدى بالف
وجه وتتلفع بالدم
وتحتقر الاجساد اذ تشوهها وتبددها وتحتقر الجمال اذ تشوه الروح والروحانيات
اذ تعمدها بدماء
وعماء ..
الحرب ليس ما تلقيه طائرة مقاتلة او مايفجره صاروخ اوتفعله سيارة
مفخخة حسب,انما هي
كل مهرجان للدم وكل جهد بشري مبدد
وكل استهانة بالجسد واالعقل ومكانة الروح وامكانات الفكر وكل دفع
بالبشرية نحو جهلها وهلاكها واعادتها الى وثنية التضحية او تدمير الذات
واهدار الزمن في
انشطة لاتفضي الى ارساء قيمة حضارية لتطوير الحياة ولا تؤدي الى نجاة
بلاد من تخلفها ومدن من خرابها وشعب من مأساته وارض من جدبها وبوارها
واجيال من ضياعها..
,كم تخدع الحرب الناس عندما توهم سذاجة الامل فيهم بانها انتهت,
فيشرعون في نسج الاحلام واستيلاد صيغ راسخة للحياة وصور بهية
للغد, ولكنها- كما خبرتها- تسخر من تدابيرنا وتديم وجودها السري, متخفية
في تجليات حياتنا وتقلبات اوضاعنا البشرية ووهن انسانيتنا ,فنغفل عنها في
متعة الخدر وننسى تاريخها المتوضع في نخاعنا وصفائح دمنا ونعايش جنونها
حتى يخيل الى وهمنا انها شريكة سنواتنا ورفيقة اجسادنا وصنو احلامنا
التي ترتبط بظهوراتها و اختفاءاتها واخاديعها واحتمالات نهاياتها.
واذ نحن في متع انتشائنا بالنجاة , تزدهر مابين اعطافنا رعشة
الامان وتومض خطفا مثل برق افتتان عابر ,تتسلل الحرب بوجوهها المختلفة
تحت الوعي شأن طفيلي الجرَب الذي يحفر اخاديده تحت ادمة الجلد ويورث
الضحية حكاكا وحشيا وعذابات مستديمة, تتآكل معها الروح حتى لتغدو رهيفة
,شبه جناح فراشة سريع التفتت والتلاشي, بينما الطفيلي يمضي قدما في حفره
تحت جلود الضحايا و ليس بينه وبين الحرب سوى فارق نقطة وفارق مهنة ,
احدهما يتفشى وباءً في حاضرالناس و جهات العالم وثنايا الروح
الانسانية , والاخر يتخفى تحت شغاف من أدم رقيق وتسري سمومه في الجسد
المعرض للهلاك..
الحرب تبتلع لسانها مع اول الضحايا,هذا ماكان يخيل الينا حين تبدأ اي حرب
من حروب الذكور
التي تقوم تعويضا عن نقصان قيمة جوهرية في الشخصية البشرية,,
نعم كانت كل الحروب لاتملك خطاب اقناع ولا ينتظر من مفجري جنونها
ان يبرر فعلته
, لكنها سرعان ماتستولد لغات والفا من الالسن وتخترع خطابات
وتعابير و ومفهومات مبتكرة مع نضوج الضحايا في محارقها فتبدأ بادعاء
المآثر والفتوحات و انتصارات
صناعها والتبدلات الخلاقة التي تنتجها وسحر ما تفعله بالمدن التي
تغير البشر فيها وتزيح تواريخها المتعظية وتبدل قيم مجتمعاتها , دون
اعتبار لارواح ملايين الضحايا..
تنولد الالسن والاصوات من وسا ئل الاتصال التي هي وسائل قطيعة مع
الحقيقة ووسائل انفصال بين الامم القادرة الجبارة والامم المهزومة
المنهارة ..
ولسان الحرب به اطناب وفرط توصيف وتصحيف وفرط خداع لمن يتلقى,
وخطاب الحرب
موجع و موهن للنفوس المرهفة ومهيج لوحشية القاتلين ودافع بمقولات
التضحية بالانفس الى اقصى حدود التوريط والتفريط والتوحش..
اخرس من مهزوم
تفترض قيم الغزو والفتوحات, بالمقاتل , ان يصمد في الصراع- وان لم
يكن صراعا متكافئا -, فاذا هرب من الميدان حق عليه القصاص , وقصاص
الهارب من التقاتل في عرف قائد من مشعلي الحروب , هو وسم جبين او
صلم اذن او بتر لسان او حكم بالاعدام ..
وتفضي كل اشكال العقاب الوحشية تلك الى نوع من الخرس النفسي اضافة
الى الخرس الفعلي في حال قطع اللسان , خرس يحد من قابلية المعاقب على
الافصاح والشكوى في مجتمع
خائف مروع يتماهى مع جلاديه ويصرخ في الطرقات ومداخل المدن :
- التاريخ تصنعه الحروب العظيمة , والاوطان الخالدة تشاد بالجماجم
والدماء
صوت امرأة يتبدد وسط الضجيج الاعمى ولايكاد يسمع في فوضى الجنون
الجماعي :
-التاريخ تصنعه الحياة والحياة تصنعها المحبة,, الا يخرس هذا المنادي
احد منكم؟؟
يؤنبها فتى , يشتمها ذكور متاهبون للقتل ويتوعدونها بقطع لسانها واخراس
الصوت..
يقترب منها رجل لا شأن له بذكور الحروب, يلمس كتفها بحنو رجولة :
:
- دعيهم لهوس الدم , الاترين ماتقدحه الحدقات من شرر؟ القوم
شاربو دماء
والقوم آكلو افاع و يرابيع, والحرب مناخ مجدهم الوحيد, بحق الحياة
عليك ان
تصمتي, ولندخل البيت ولنطرد هراءهم بالموسيقى , هيا ودعيهم لميتة
يتمنونها
ودعينا لحياة يرجون سلبها منا, لاجدوى من النطق فى فورة خطاب الدم ,
هيا
وتعالي الى الحياة وارشفي الموسيقى لتنسي جنونهم وتزيلي صدى صيحتهم
عن مسامعك.
يعرف وتعرف ان لااحد سينصت اليهما., فقد اعارت الجموع المهتاجة اسماعها
لخطاب الدم وانتظمت في قطيع مأخوذ برائحة الموت , شبه ضباع او ذئاب
ضربها
نهم الضواري .
يقول لها:-
السكوت في اوان المحن غير الخرس , والصمت في ااحايين اجدى من صرخة
لاتبلغ المسامع , والحرب هي البكماء مهما حاولت نطقا او زاولت خداع
لغات..
الحرب غول خنثوي
هكذا هي لانها لاجنس لها هي خنثى الازمنة , وان اصرت لغتنا ان تجعل
المصائب مؤنثات
و ان تكون للذكورة مصطبة االنصر و مهنة الخلاص بحرب لاتخوضها الاناث
ولاتقتل فيها الامهات ابناء امهات أخر , بل يعلنها ذكور ويقودها ذكور
ويخسرها او يفوز بخزيها ذكور ,وعار التسمية واقع على جنس يديم الحياة
, وجنس هو المتضرر من بلوى التقاتل , وهو المنذور للترمل وفظاعات السبي
والاغتصاب والعوز والتشرد ولعنة الجحيمات التي تلي حروب الذكور,
واشخصُ القاتلين ذكورا , لانهم ما تسامت بشريتهم الى
انسنة وجودهم ولا اكتملت لتبلغ مبلغ الرجولة الحقة بشرطها الانساني
فلبثوا في مرتبة ذكورة الكائن الحي, كائن الكهف والغاب, الذكورة
التي تتميز عنها الرجولة بسجايا حماية الحياة وصون الانسانية
وابداع الجمال واحترام الانوثة واجلال الامومة لا دفعها الى الثكل
والمكابدات ..
والحرب هذا الغول الاخرس الخنثوي غول يضاد الرجولة والانوثة وهو
يجول فى المدن ويفترس اللغة ويغير صيغ الافعال ويرشف الهواء في خروجه
على الرجولة والانوثة والطفولة ,ويعتاش على لحم الرجال ودم النساء و جثث
احلامهم المماتة .
الخنثى الضارية تقضم كل شيء حي في مرورها , اصابع الصغار ونهود البنات
و آذان الشبان
وتمتص ذاكرات الرجال ,تسحب الخلاصة من فوهات المدافع , من مواسير البنادق
, تسحبها كما
المدخن يسحب انفاس لفافة وينتشي بنكهة التبغ , تمتصها وتنسل الى المخادع
, تندس بين الرجل وزوجه , بين الفتى وحلمه, و العروس وانتظارها وتدع
الحب ابكم ثلجيا موصولا الى الظلمات يموه عجزه بالرماد..
عندما تفيق الجموع من هول مافعله الغول الخنثوي , تجد وسوما سودا على
الجباه وبقايا حريق على كل شيء, لاالموسيقى لها سحر الامس ولاالحب ولا
اللون ولاالغروب ولا مغاني المدينة, فقد تكدست اطنان من الهياكل
الفولاذية والكونكريت مع الاذرع والجماجم في الساحات وانهارت
المنازل وبقرت الجدران وانفتحت النوافذ على عتمات المصير..
فعم الخرس والموت كل شيء :
لا اناشيد تمجد الجمال والطبيعة ولااغاني تتصاعد من افنية البيوت
المهجورة , ولا اذاعات تبث ا اغنيات الحب واناشيد الغزل , لاشيء ابقى
الغول الخنثوي في ارض البشر , لاحياة في البساتين التي احترقت ولا اسواق
تبيع ارغفة للجياع او قمصانا مطرزة للبنات اوعطورا لسيدات المدينة او
اسطوانات موسيقى او دواوين شعر اوروايات تتحدث عن حيوات البشر في بلاد
بعيدة
وجهات سعيدة لاحروب فيها...
كل شيء فتك به الخرس و الرماد وغدت المدن ميادين للنواح والشوراع ممرات
للجنائز والعويل واختلط كل شيء بكل شيء : فوضى خلاقة للخراب , فوضى
تقترح جنونا وتجترح انواعا من الموت لاقبل للناس بها , وتتكيء
ببراهينها على خرس الجموع المنهكة التي هدت قواها الحروب وسلبتها الصوت
ووهبتها خيار الموت :
اما في الميدان او بقصاص ولى الامر او الخارجين عليه..
خطاب الجمال نقيض خطاب الدم
خطاب الحرب هو خطاب الدم , خطاب ابادة واراقة مزيد من نسغ الجسد البشري
المستهدف بالموت , وهو خطاب له اوجه تاويل متعددة , يكاد يفسر من كل طرف
بما يتلاءم مع ضرورات
موقفه من مهنة الاماتة , وموقفه من عدوه الذي تتجه اليه النار ورسائل
الموت البليغة الحاسمة..
وكل خطاب دم هو بحد ذاته خطاب جهالة وخطاب توحش وارتداد الى قيم
الكهف والعرين
و الاوجار والمغاور, وهو بما يتداول من صيغ لغوية عنيفة , يحرض على
قتل البشر ممن
يختلف معهم منشيء الخطاب وسواهم ممن يحتمل ان يتقاطع معهم او يفترض انهم
قد يشكلون خطرا على اهدافه مستقبلا فيتحوط لما ياتي بفعل استباقي
يبرره خطاب الدم الذي تكرره
كل سلطة هدم وسلطة ابادة وتعيد انتاج مفاهيمه في كل حرب..
وخطاب الدم خطاب عنصري من اي جهة تناهى الى السامعين
بديل خطاب الدم وونقيض لسان الحرب - من اعلام وثقافة موت وعسكرة
مجتمع_ انما هو خطاب الحياة خطاب الجمال الذي يتمثل في ارساء اسس حياة
مدنية لاتقوم على قيم الثار والبداوة و نصرة الاخ ظالما ومظلوما, بل
تنبني على احترام قوانين انسانية تسير انشطة الحياة , مثلما تنبني على
معطيات الابداع الانساني الرفيع من علوم مستحدثة واداب وموسيقى ومسرح
وفنون اخرى و هي معطيات ترقى بالكائن الى مرتبة الانسان وتنتشله
من ارتداده الى الغريزة والتوغل في محاكاة عنف الضواري وشراستها-
و تمضي به قدما في حياة هذبها الاكتفاء وسما بها التذوق وحمتها
القوانين الوضعية المعاصرة وضمنت تطورها..
خطاب الحياة يستدعي ضمانات للحرية و ضمانات للعيش الكريم واشاعة
ثقافة التسامح \
وقبول الاخر واحترام الاختلاف , مثلما يستدعي ان تهذب النفوس بالفنون
الرفيعة وان
تكون الموسيقى وسيلة لصياغة الانسان صياغة حضارية لترهف حواسه وترقى
بذائقته وامتيازه الانساني الذي يفصله عن الضوارى ويتفوق به على تاريخ
الدم وقيم الثار والغزو , وتعينه الفنون الرفيعة على مفارقة اساليب
تدمير الذات وقتلها او تعذيب الجسد واذلاله وقمعه
وتشويهه ,وتقربه من مفهوم الحرية في اختيار طريقه ونمط حياته. , لا ان
يكون مهددا في خياراته او مرغما على تقبل ما لايؤمن به , وتلك هي
مأثرة الفنون العظيمة التي تتاسس الحضارات الحية على ابداعاتها , وتدوم
مادامت الفنون في طور التجدد والابداع المتصل ,
الفن في خطاب الحياة عنصر مقاومة للفناء و سبيل مواجهة مع خطاب الدم
واساليب
الاماتة التي يبشر بها وترعاها كل سلطة تديم الخراب..
من هنا كان لابد لخطاب الحياة ان يكون مبشرا بالجمال مروجا
للالفة ومبشرابالحرية
ومرسخا للسلام ,لعله يخرس خطاب الدم ويقول المحبة ويؤشر الانسان
انسانا في
ا كتمال انوثة واكتمال رجولة ازاء نقوصات الذكورة القاتلة التي
تجتاح البلاد اجتياح وحش كاسر و تقصي في هبوبها المظلم كل تجلٍِ
للجمال والانوثة في المسار اليومي للحياة
الانسانية ..
|