|
كان يحس بغربة الغرباء وبألم المتألمين وهو داخل سيارة الإسعاف في طريقه
إلى مستشفى
الأمراض القلبية . وها هي شوارع - برلين
-الواسعة
تضيق وتصغر أمام عينيه وتتحول إلى غمامة سوداء تحجب عنه الرؤية . وكيف لا
والموت يلتهم آخر بقايا الحياة !؟
لقد وضعوه في غرفة مع ثلاثة رجال من مرضى القلب , وكل واحد منهم في سن أبيه
وهو
الذي تجاوز الخامسة والخمسين عاماً . ولكن يالها من مفارقات أن يجد المرء
نفسه في حالة إنتظار !؟ فغداً سيفتح هذا الصدر الذي
يختزن كل هموم الدنيا وستجرى عملية صعبة للقلب كي
ينبض
من جديد أو أن يتوقف عن الخفقان إلى الأبد ! لهذا السبب كان هؤلاء المرضى
المساكين ينظرون إليه بشيء من الرأفة والألم , وهم الذين ذاقوا ويلات
الحرب العالمية الثانية وخرجوا منها سالمين . إنها مواساة صامتة
لا تقوى على تصويرها إلا العيون الحزينة . أما هو فلم يجد بداً آخر غير
الهروب من الحاضر المأساوي إلى الماضي البعيد الذي ظل محفوراً في
ذاكرته كل هذه السنين الطوال ... فراح يتذكر ..... ما أن بلغ التاسعة من
العمر حتى أخذ يحلم بأنه طائر صغير , إذ أن مثل
هذا الحلم سهل للغاية على أقرانه من الأطفال , فهم ليسوا بحاجة إلى تلك
الأجنحة الفولاذية أو المحركات التي تحول الهواء إلى دوائر
صغيرة ثم تكبر وترتفع عن الأرض وتحلق في السماء
.
وهم ليسوا بحاجة أيضاً إلى أن تصبح أجسادهم الغضة خفيفة الوزن كطائرات
ورقية لكي
تمكنهم من الصعود إلى الأعلى مع هبات النسيم
.
كلا أبداً . فهذه اللعبة معروفة لديهم لأنهم يلعبونها كل يوم خاصة في أيام
العطلة
الصيفية حيث لا مطر يتساقط ولا عواصف قوية تهب ....إنها لعبة الأحلام التي
تراودهم في المنام دون إرادة والتي تحدث في الصيف
الحار تارة وفي عز الشتاء تارة أخرى , في منتصف الليل أو في سويعات الفجر
الأولى , لا تحدها حدود ولا تمنعها موانع , وليس بمقدور
أي واحد منهم أن يحيد عنها لأنها عالمه البريء الذي لا نهاية له.
هكذا إرتفع إلى الأعلى في المرة الأولى من حياته ... لقد دق على الأرض بإحد
قدميه
وأعقبها بالثانية , ثم مدَّ ذراعيه إلى الجانبين وأخذ يرفرف بهما كما ترفرف
الحمائم الصغيرة إلتي تتعلم الطيران لأول مرة , وأخيراً بدأ
يرتفع ببطء شديد ويهبط من جديد على أرضية الشارع الترابية , إلى أن إتسعت
المسافة وكبرت فوجد نفسه محلقاً فوق البيوت وأجساد المارة
في الأسفل تصغر رويداً رويداً وتتحول إلى نقط ملونة تتحرك هنا وهناك حيناً
وتبدو ساكنة حيناً آخر ... ها هو الآن يرى أبناء حارته
خارج بيوتهم الطينية التي تنتهي بفناءات واسعة مكشوفة إلى السماء , وما
الحاجة للسقوف وهم لا يملكون أي مأوىً آخر في هذه الأرض الفسيحة
!؟
بيد أنه كان يراهم في الأسقل على الصورة نفسها , الرجال يذهبون إلى أعمالهم
كل صباح ,
والنسوة يخبزن الخبز مع خيوط الفجر الأولى
,
بائعات القيمر والحليب يتنقلن في الشوارع والأزقة .
طلاب المدارس ينهضون من نومهم
على عجالة ... نعم . كان يرى هذه الصور كل يوم وهو على الأرض , إذن لماذا
يطير الآن ويبتعد عن أهله وأحبته !؟ وكيف سيكون بمقدوره
العودة إليه وها هو يقترب من النجوم البعيدة
,
ويطير فوق السحب الندية التي ترحل مودعة نحو فضاءات أخرى !؟ وهل سيتساقط مع
المطر
الصيفي في أرض مجهولة , ام انه سيعود، إلى أهله وأبناء جلدته بسلام !!؟
ولمَّ يحدث له كل هذا !!! هذه الأسئلة ظلت تدور في
رأسه الصغير دون إجابة , لكنه سرعان ما نسي نفسه حينما رأى مدنً جديدة
تختلف كثيراً عن مدينته الفقيرة البائسة . مدن تضيؤها الأنوار
المنتشرة في كل مكان . عمارات شاهقة تطل برؤوسها على الملأ كما تطل الجبال
العالية على بطون الوديان . ألوان زاهية تجمل المسافات
الشاسعة والحقول الخضراء تحيط بها من كل حدب وصوب ... يا لله !! إن ما يراه
الآن يختلف كثيراً عن الذي يراه في مدينته ... بيد
أن هذه الرؤيا قد توارت فجأة حينما أفاق من نومه مذعوراً , وظل يلتفت هنا
وهناك بحثاً عن تلك الأمكنة الجميلة , لكنه لم يجد سوى جدته
العجوز واقفة قرب سريره وهي توقظه بيدها كي يذهب إلى المدرسة. في المدرسة
سأل زميله الذي يجلس إلى جانبه بعد أن تردد كثيراً:
هل تدري !؟
أدري ماذا !؟
لقد
طرت البارحة أثناء النوم . أنت لا تستطيع الطيران مثلي
ضحك زميله قليلاً ثم قال
أنا
أيضاً أطير في المنام . كلنا نطير . إنها أحلام . أحلام لا
نعرف ما هي
هو توقف قليلاً قبل أن يعيد كرة الحديث
-
لكنني خائف .
نظر إليه زميله بتعجب وأردف قائلاً
-
لماذا أنت خائف !؟
لا
أدري
في المساء جلس قبالة والده ووالدته وجدته العجوز , وراح يمعن النظر بوالده
الذي
مازال ينفث دخان سيجارته إلى الأعلى , ولكن يا للصدفة , فدخانها يتصاعد
أيضاً إلى الأعلى على شكل دوائر صغيرة ويتلاشى فيما بعد
.
ربما يكون الحلم الذي رآه في الفجر كهذا الدخان
,
أو ربما يكون له معنىً لا يقدر على فهمه. لكنه لا يملك
الجرأة كي يكشف عما يجول في
خاطره , إذ أن والده سينهره حتماً عندما يسمع بأن ولده قد رآى مدناً بعيدة
وهو الذي يمنعه من التجوال أبعد من شارعين خوفاً عليه بيد أنه إستجمع كل
قواه في النهاية وأخذ يحكي لهم الحكاية وهم ينصتون إليه بهدوء
,
خاصة جدته العجوز التي ظلت تنصت إليه بإهتمام كبير , وفي النهاية قال
الوالد
يا ولدي لا تخف . إنه مجرد حلم . وكل إنسان له حلمه
بيد أن الجدة إستوقفته قائلة هذا غير صحيح . إن الولد سيرى الغرائب
والعجائب حينما يكبر . وسوف لن يستقر في أرض
معينة
بعدها قبلته وإحتضنته بقوة وهي تردد
لا بأس عليك يا ولدي . لا بأس . إنه فأل حسن أن ترى مدنا ً كثيرة في
المستقبل
في الثلاثين من العمر أصبحت حياته كلها عبارة عن مدن ومرافئ ومطارات . حياة
لا
يراها في المنام بل في الواقع كما تنبأت بذلك جدته العجوز . أجل هكذا أصبحت
حياته منذ أن غادر أرضه عنوة . مدينة تأتي وأخرى تذهب
مودعة وكأنها تنفر من القادمين التائهين في هذه الدنيا الواسعة . وجوه
تتكرر وأخرى تغيب وترحل نحو القدر الآتي مع مسافات الأسفار
القريبة والبعيدة . لغات مختلفة ذات إيقاعات متنوعة تتلقفها الآذان أحياناً
وتصيبها بالصمم أحياناً أخرى . بيد أن الحلم قد توقف منذ
زمان وهو بأمس الحاجة لكي يرى مدينته وحارته التي تركها قبيل سنوات عدة ,
لكنه ليس بمقدوره الآن أن يطير في اليقظة أو المنام لكي يرى
مدينته من جديد . فهي أحب المدن إلى نفسه حتى إذا قبيل سنوات عدة , لكنه
ليس بمقدوره الآن أن يطير في اليقظة أو المنام لكي يرى
مدينته من جديد . فهي أحب المدن إلى نفسه حتى إذا أصبحت أطلالاً خربة كما
يشاع عنها ... في الصباح وجد نفسه في غرفة العمليات
والأطباء يحيطون به من كل صوب . إذن هذه هي لحظة الوداع الأخيرة . لحظة
صغيرة يتجمع فيها عمر الإنسان وتتوقف فيها الأرض عن الدوران
ويتساوى فيها الجميع دون فوارق , لأنها تمثل الحد الفاصل بين الموت والحياة
.غير أن أحد الأطباء قطع سلسلة تأملاته الحزينة
قائلاً
كيف حالك ؟
-
كما ترى
-
أنا أراك بخير
بخير !! ربما
هو لم يستطع إتمام جملته الأخيرة , لأن مفعول المخدر بدأ يسري في دمه وجسده
, و راح
يتمتم بعبارات مبهمة : الأكواخ ... جدتي العجوز ... مدينتي ... هناك ...
المطر في هذه الأثناء غاب عن وعيه نهائياً فترآى له الطفل الصغير وهو
يرتفع إلى الأعلى من جديد محلقاً في الفضاءات البعيدة
|