|
[1]
مع أوائل القرن العشرين، وبظهور مقدمات (الفيزياء الحديثة)، والتي زعزعت ما
كان يسمى بـ (الحتمية العلمية) وغدا الحديث مثيرا ً عن الاحتمالية والنسبية
وعدم اليقين والعشوائية ..الخ، لم يعد السلوك البشري بمنأى عن هذه
المكتشفات في هذا الحقل. فلم تعد الذرة اصغر وحدة تتشكل منها المادة. كما
ان مجرة بحجم مجرتنا (درب التبانة) لم تعد اكثر من (ذرة) في الكون ألمرآتي:
الكون بلا حافات. لكن التقدم التقني في هذه الاكتشافات، يمتلك طبيعة مغايرة
للسلوك البشري. فإذا كنت حقائق الكون تعمل بقوانينها غير المكتشفة، فان
البشر، وهم يكتشفون هذه القوانين، يسهمون بإضافات لا تمتلك نموذجا ً معدا ً
سلفا ً لها (حتى عندما أوحى أفلاطون باحتمالات مغايرة)، فالإنسان يصنع
تاريخه لا دحضا ً لقوانين الكون، ولا بفعل العشوائيات أو المصادفات، وإنما
(وهنا تبدأ الأزمنة الأكثر إثارة الخاصة بمصائر البشر) بتوازن يتيح
للكائنات من التقدم انسجاما ً مع فهم أدق لعمل شبكات الأنظمة ومحركاتها.
[2]
وقبل اكتشاف التعامل مع عالم المتناهيات في الصغر وعالم المتناهيات في
الاتساع، كان القرن التاسع عشر يزخر بظهور فرضيات وتدشينات لأفكار ونظريات
علمية ظهر ـ فيما بعد ـ انها لا تتقاطع مع جوهر المعتقدات ـ والتي لم يكن
متوقعا ان تجد من يتزعم الدفاع عنها لأي سبب من الأسباب، لاستحالة ان يمتلك
الزائل شرعية أو منطق القول في اللامتناهيات ـ وهي تنقل العالم من حقبة إلى
أخرى، ومن عتبة إلى فضاء يغادر حلقاته المنغلقة. فليس علم الوراثة محض
تدريبات خرافية، لان العصر الجينومي كان يمهد لمفهوم آخر للموروثات في
عملها المشفر، حتى كأن فهما ً آخر (للقدر) قد اخذ طريقه إلى تحويل
الميتافيزيقا إلى علم من العلوم التجريبية! كما ان عمل آليات اللاوعي ـ مع
الوعي ـ بالنسبة لدماغ ـ قد مهد لاكتشافات أعماق الإنسان، ومخفياته، وعلاقة
سلوكه الاجتماعي بمكوناته النفسية.. مع الإشارة إلى علاقة هذا الكائن
الدائمة بالكون والبيئة والمجتمع.. فهو ليس محض (ماكنة) أو (كومبيوتر) بالغ
التعقيد، بل هو حلقة لا يمكن فصلها عن تلك الحقول. كما ان علاقة البشر
بالحقب الموغلة وجدت ثمة صلات مع الكائنات الحية المجاورة، مما مهد لظهور
أفكار خاصة بالتكيف عبر الصراع أو عبر روح التكامل والتهذيب! مثلما راحت
تدرس مشكلات التجمع من أفراد إلى مجموعات والى قبائل وشعوب وقارات.. واثر
تداخل علاقات رأس المال الكلي للأفراد والجماعات بالخطاب الثقافي وصلته
بعمل الغرائز، مما دفع بالأنظمة إلى أشكال مختلفة دفعت بالباحثين للحفر في
المناطق غير المكتشفة، كأصل الحياة.. واصل الوعي، ودراسة تحولاته بدراسة
العوامل التاريخية والجغرافية والكونية.. ودراسة آليات مفهوم الديمومة
وعلاقته بتحديد أهداف الحياة ومعانيها بحسب الخبرة وتطورها وتحولاتها..
كلها، مهما بدت مدوّنة وقابلة للفحص، تجد من يدحضها بصفتها ليست إلا لمحة
في حلم! على ان هذا الحلم، مكث يخفي كل معالمه في الظهور،لا على مستوى
الأشكال، بل على صعيد الماهية أو الجوهر. فالمكتشفات، إن كانت حلما ً، أو
حقيقة تاريخية تراكمية وجدلية، فان انشغالا ً آخر لا يقل أهمية مكث فعالا
ً، وديناميا ً، إلا وهو كل ما يخص قيم: العدل والحرية والكرامة التي جعلت
الحياة تعمل بغواية مغايرة للقوة، والمكر، والكسب اللامحدود لفئة على حساب
أخرى. انه اشتغال دفع بمجموع المكتشفات والأفكار والأخيلة، لا لعزل عمل
الموجودات عن مصيرها الأبعد، بل للوحدة بينهما، كي لا تبدو حياة الأفراد ـ
منذ عصور المغارات إلى عصر حلم السكن خارج الأرض ـ إلا وقد امتلكت غواية
المتابعة أو ما يجعل الحياة ممكنة!
[3]
فالعلم، الذي غدا جزءا ً من أقدم تدشينات التأمل في الوجود ـ وفي الموجودات
ـ غدا أداة اكتشاف، مع انه، في الوقت نفسه، أصبح غاية تتضمن وسائلها في
صياغة الإجابات والأسئلة. فلم تنتج التصورات المبكرة عن (أرواح) الأرض
والأعالي، إلا عبر سلاسل السيطرة على إنتاج الزرع والحيوان، ومن ثم النار،
وباقي القوى، فكانت الأفعال الحدسية لسحرة العصور السحيقة القواعد الكبرى
للعلم؛ المبني على الخبرة والتجارب والمخيال.. ذلك لأنه خارج التصور ليس
إلا عملا ً ميكانيكيا ً، فيما لا يمكن إدراك عمل الميكانيك خارج الأفعال
الخلاقة للتصورات.. وليس مصادفة بلا معنى ان الآلهة الأولى كانت قد صنعت
للإنسان الأدوات الأساسية: الفأس والمحراث .. لان (التفكير) العملي استند
إلى نظريات مبكرة في ديمومة (الحياة) ولان الحضارات ستزدهر بفعل ازدهار
علومها، وليس خرافاتها، كي تنتقل من عصر البرية إلى عصر المدن.. ومن العصر
ألشفاهي إلى عصر الكتابة., ومن عصر العشوائية إلى عصر النظام: فولدت أقدم
الشرائع. على ان أهداف الحياة ـ برمتها ـ عبر هذه المشاحنات والصدامات
والإبادات، لم تقل كلمتها: انها اشتغلت حيث العمل وحده قد صاغ أساس
التراكم، والتقدم: انه الفعل المغاير للموت. وقد أشار أفلاطون في حكاية
رمزية له ان الاعمي الذي ينتقل من النهار الليل اقل درجة من الاعمي الذي
يغادر من الليل إلى النهار! فهل العلم محض خرافة؟ قد لا توجد إجابة عدا ان
الحكماء القدماء، وحكماء عصرنا، صاغوا مفهوم الطريق الذي لا يرتد بالإنسان
إلى ظلماته، ومغاراته، وخرافاته. فإذا كانت غايات الحياة مستحيلة الفهم، أو
التبرير، لأنها تقع وراء كل تصّور، فان اختيار الخطوات الصائبة لا يقلل من
لغز وجودها. فهل ثمة حكمة يمكن ان تولد من عصور تحدق في المجهول، أنبل من
إدامتها، وليس من إفسادها، وجعلها لا تساوي اكثر من وثبات في فراغ، أو من
بحث عن لامبالاة يذهب الجميع ضحيتها؟
[4]
فهل ثمة حياد في عمل العلم...أم، هو محض بحث في الديمومة، عندما مكث الأقوى
ـ منذ اشتغال خلايا الحياة ـ يتحكم بالمكتشفات لمواصلة الانقسام بين
البشرـ حيث لم تجد الدعوات ـ للكف عن أنظمة التناحر، والصراع حد المحو..
نحو مصائر لا تتعجل إلا زوالها؟
[5]
لا يتطلب الحكم، إلا إعادة قراءة للثقافات، بعد تصنيفها، قراءة متعددة، لا
تهمل دور اختلاف المناهج والمذاهب والذائقة فحسب، بل فهما ً لا يستبعد
الحياة ذاتها: فإذا كان الصراع المرير من اجل البقاء سينتهي، بحسب التراكم
والتحول، إلى ذروته المنطقية، فان قلبا ً للمفاهيم والدوافع لا يتقاطع مع
مفهوم أن لغز الحياة لا يكمن إلا فيها! لان ذروة التراكم في الثروات
والعلوم، بعد انتصار (السلعة) وسيادة قانون (الربح) عبر حروب الأسواق
والشركات عابرة القارات والقوميات، يجعل بوابة المجهول مشّرعة، ولا مناص:
أن تدجين (القلب) وترويضه سيغدو قد بلغ نهايته: دينامية الوهم!: وهم الربح/
وربح الوهم.
[6]
فالثقافة العامة؛ ثقافة (الفم ) و(الأصابع) و (الحواس)، حتى لدي اكثر
الخبراء تقدما ً، لا تسمح بالإصغاء. إنها ثقافة من هو في طريقه إلى الصيد؛
حيث لا مناورة ولا مرونة في الاستدراك والتحاور. لأنها ثقافة تدريب على
السريات الأحادية. فالآخر، وقد غدا خصما ً، لن ينال إلا ما تناله الطريدة.
فالمثنوية عمقت التضاد، ككل الصراعات المماثلة. فهي لا تحمل ابعد من
حاضرها، في صياغة المشهد، والحفاظ على ديمومته، أما الخسائر، فهي، كالدخان:
لا يصبح معرفة ولا يُجمع في كتاب!
[7]
فالتلوث البيئي، والمضي بعيدا ً في إنهاك العناصر، وتفكيك الإفراد إلى
عناصر لا مرئية، وتخريب الطبيعة، والمضي بعيدا ً في الاحتفال، كلها، تنذر
بالصدمة، بل، على العكس، بالقبول! ذلك هو النظام ألشفاهي وقد استند إلى
عاداته البكر: تدمير الآخر، ولتحل ساعة الزوال.
[8]
هكذا تزدهر الحواس، وتشتعل، ف المنافسة. ذلك لان المنتصر لا يمتلك ت ولا
يريد أن يمتلك ـ قدرة رؤية انه غدا ذبذبات، كما ستنتهي إليه حرائق أعظم
الغابات. والتنبيهات الصادرة عن العلماء والحكماء والخبراء، لن تجد إلا
هامشا ً ضائعا ً، فيما يحتفل، على مساحة النصر باتساعها (أو بضيقها)
بالوهم: آنذاك تغدو المساحة (مساحة الأرض ومساحة المخيال)، وقد برهنت، بكل
ما أنتجت، عن احتفالها بديمومة انها لم تكن فائضة!
[9]
يكتب كليفورد جيرتز، كانسان لم يفقد الأمل تماما ً، وهو يرى نفسه تائهة أو
في المنفى ـ كما سبق لهيدغر أن نوه بذلك ـ بين أشياء، لكن، بشك ليس فائضا
ً، الكلمات التالية:
" مهما يجهد الفرد لتركيز تفكيره على حقائق الوجود الاجتماعي التي
تفترض فيها الصلابة، فان تساؤلات مثل: من يمتلك وسائل الإنتاج، ومن يمتلك
السلاح، أو الملفات، أو الصحف، وماهية الحقائق الحالمة المفترضة لهذا
الوجود، ما الذي يتصوره الأفراد عن ماهية الحياة الإنسانية، وما هو
اعتقادهم بشان الكيفية التي يتعين بها على المرء أن يحيا، وماهية الأسس
التي تستند إليها المعتقدات، وما الذي يضفي الشرعية على العقاب، أو يجدد
الأمل، أو يعلل الخسارة، تزدحم هذه التساؤلات لتشوّش الصور البسيطة للقوة
والرغبة والحسابات والمصلحة... ومن باب حرصه على اليقين، أو العقيدة
الثابتة، أو المنهج القابل للترميز، أو ببساطة ألتوق إلى الدفاع عن قضية
ما، يستطيع المرء تجاهل هذه الحقائق، أو حجبها، أو إعلان أن لا تأثير لها.
إلا أن هذه الحقائق لا تختفي بناء على ذلك. ومهما كانت نقاط ضعف مفهوم
"الثقافة" ( "الثقافات"، "الأشكال الثقافية") فليس أمامها سوى الاستمرار
على الرغم من كل شيء. ولن يفيد في ذلك عدم القدرة على التمييز بين النغمات
المختلفة، أو التعمد أو التلقائية، أو العدوانية "
انها ليست اصداء أنظمة تتصادم، تتهدم لتنبني، أو تنبني لتتهدم فحسب، بل
انه تحمل مغزاها (لغزها) الذي لا علاقة له بالميتافيزيقا، وانعتها، ولا
بما تسعى إليه شبكات الإعلان: انها، بشكل أو آخر، ديمومة تضحي برموزها، كي
تولد (زوالات) للاحتفال، وربما: للمجد. فالمحنة ـ مهما رممنا أركانها ـ
تبزغ كأنها تثأر لفحشاء سابقة على الفعل: وكأن ثيمة الخطيئة سابقة على
الوجود!! فهل تأتي الكتابة، كعلم أو كحدس أو كمهنة، مثل مفتاح يدور في
الفراغ، أم انها ـ الكتابة ـ كباب ينغلق على وجدود ليس فائضا ً؟
[اتجاهات]
|