|
بين السكوت والتصريح ، يتذبذب موقف القارئ مثل الكاتب
الذي يركب مركبا صعبا ، متشبثا بحريته التي يترصدها
القائم بالامر .وقول – بارت – يأتي في هذا السياق :
ليس النظام الفاشي في رأي هو من يمنع الانسان عن الكلام ،
بل هو خصوصا من يجبره على الكلام " ص ( 62 )
تحمل الكاتب ومازال حرية قد تقوده الى التهلكة في سبيل
اشراك المتلقي في تجربة ابداعية اكبر من مقاييس
الايدلوجيات قاطبة. وقد تبرز في طريقه اساليب ردع مختلفة
من قبل اولئك الذين يظنون بانفسهم الكمال ! وقدرة انفاذ
الحكم. فيتعرض الكاتب ونصه الى الادانة الاخلاقية ، والى
الملاحقة القضائية ، بل التحريض على تصفيته ، وتسفيه قيمته
الانسانية. ولكن هل كان القاريء ولايزال يؤثر العافية؟
مكتفيا بالقاء تبعة ذلك الجرم القرائي على الكاتب الذي
ورطه في مأزق النص المجرم تناوله او تلمسه والاحتكاك به!!
تتذكر حرائق الكتب خوفا من مداهمة البوليس ، وكأنك طالما
اقتنيت هذا النط من الكتب ، فأتت متهم بلا استئناف وبعيداً
عن مسؤولية الكاتب تجاه مجتمعه وعصره فان ( الكتابة) تتعلق
بمستقبل الادب نفسه . وكلما روجت للمتخلف من الافكار ،
كلما خانت حريتها الابداعية وفتحت ابوابها مشرعة لمسيرة
الاشباح الظافرة!!
تنبه بارت مثل غيره من المفكرين في الشأن الفني والادبي
الى ضرورة قلب ( الميتة) : فمولد القارئ ينبغي ان يكون على
حساب المؤلف ( ص144 ) طالما انك تقرأ ، فانت تغيب الاخر ،
بتحسس ذاتك قيما تجده ماثلا امامك في النص فلا يعود الكاتب
هو الاخر المنفصل بل يجري " تدوين " النص من خلالك وكانك
تستنطق نفسك وتمتحن قدراتك ومفهوماتك المعرفية والوجدانية
والسلوكية بهذا النهوض الذاتي في مواجهة النص لم يعد
للمؤلف وجود .
واتجاهات القراءة تختلف تاريخيا واجتماعيا وترتبط بالذات
المتلقية ، هانس روبرت جوس ، يسميها " افق انتظار محدود
ثقافيا بالعملية الاجتماعية التاريخية . أي بالبعد الخارجي
الذي يجعلنا ننتظر من الانواع الابداعية في الفن والادب
اعرافا خاصة لا تحيد عنها في نزعة احترازية للحفاظ على
الموروث في حقوله الثابتة والخاصة وقد يتمدد ( افق
الانتظار) او يتقلص او حتى يكسر عند كبار المبدعين الذين
يتمردون على القوالب القارة التقليدية ومن هنا ايضا تأتي
جدارتهم.
وقد تقترب هذه العملية في التلقي ببعد خارجي ايضا يتعلق
بالبنية اللغوية نفسها ، وكذلك ببعد اخر داخلي يتعلق
بشخصية القارىء وموسوعيته التي توصله الى منطقة حرجة هي
منطقة التاويل التي وصفها ( امبرتو ايكو) بالنقطة التي
يلتقي فيها قصد الكاتب وقصد القارىء . وربما لايكتفي
القارىء المثقف عند ( جيرار جينبت) بالنص الذي يتعامل معه
الان بل تراه متجاوزا لمفهوم هذا النص ويصل الى علاقة
خفية او ظاهرة تضع النص مع سواه من النصوص التي يرتبط بها
بوشائج خاصة.
ولكل نص مصدره التاريخي والاجتماعي الذي يرتبط مع ذات
القاريء وما المصادر سوى رصد لتلك الطرق التي تمثل
القراءات وامتدادها في الكتابة ، أي انها تفصح عن طبيعة
ذلك المتلقي الذي تخاطبه ولهذا اختلفت الانواع الكتابية
والفنيـة ، وتبقى سكونية الكتابة وحدودها البيئية مرتبطة
تماما بحركية القراءة المفتوحة والتقديرية فلا يوجد معنى
حقيقي للنص حسب فاليري ، فالشعرية تناوب دائم بين الصوت
والمعنى . وتبقى اولوية الكتابة متجهة تماما الى المتلقي
فلا وجود لنص متعال مكتف بنفسه ولاحتى لكل تجربة فنية من
دون متلق او جمهور يفسر النتاج ويحققه فعليا.
كان الاستاذ " د. عناد غزوان" حينما يختبر طلابه في الادب
يقرأ نصوصه قراءة متقنة فيحوز الطالب النابه على نصف
التفسير في اجابته بورقة الامتحان. من خلال هذا التنغيم
بصوت عال من قبل الاستاذ الذي يتناوب فيه الصوت والمعنى
حسب فاليري كما اسلفنا وقد يختار الكاتب الروائي والدرامي
حتى انماط الشخصيات وهو يستوحيها من الممثلين او الاصدقاء
والمعارف انفسهم ، كان – مثلا- فيكتور هيجو ( 1802 – 1885
) يختار ممثلين يجسدون تجديده الرومانطيقي مثل تعامله مع(
ماري دوفال) و( بوكاج) ولكنه – ايضا- اختار ممثلة ليست لها
شهرة مثل ( جوليت دوريه ) لاسباب حميمة تخصه شخصيا.
ومع هذا يبقى النص مثقوبا ، اذ ترى ( ان اوبرسفيلد ) ان
التلقي يبقى متعددا للنص الواحد الذي لن يكتمل او تؤدي
احتمالاته كافة في عرض محدد ! ذلك لان الذات تستقطب الى
محورها الاخر وسبق ل( اندريه جيد) ان صرح : ان اقرأ ان
أقرأ الاخر ، معناه دائما ان اعيد تحديد ذاتي .. أي انه
تحول بعد القراءة الى اخر جديد ما كان عليه حاله هذا بمثل
ما كان قبل احتكاكه بالاخر من خلال القراءة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش: انظر ايما نؤئيل فريسي – برتار موراليس قضايا ادبية
عامة – عالم المعرفة – الكويت – 2004 .
|