|
لم يخطر بباله أبداً أن يصبح ممثلاً مشهوراً ذات يوم .
لكن ماذا يعني هذا وجل ألناس في مدينته ألكبيرة يعيشون
أيامهم في زمن ألخوف !؟ أنت : لا تتحرك إلا في
ألدائرة ألمغلقة . لا تكن شفافاً ومحباً للآخرين . لا
تتلمس جرحك ألنازف حتى في الأحلام . لا تحاول قراءة كلمات
أخرى في كتب ألحياة سوى تلك ألكلمات ألمخطوطة والمعلقة
بأليافطات . لا تمش مسرعاً .لا تحاول اجتياز ألمتاريس
ألتي أمامك . لا تفعل ... لا تفكر ... لا تأكل ... لا
تتنفس ... لا تمثل ...لا . لا . لا . هكذا كان يفكر وهو
يمشي في شوارع مدينته بحذر شديد . إنها ألممنوعات
ألكثيرة ألتي فرضت عليه من كل صوب وهو في طريقه إلى ألمسرح
. مع ذلك فقد ظل يحث ألخطى إلى ألأمام , فالعرض الافتتاحي
سيبدأ بعد أربع ساعات وعليه أن يتهيأ قبل فترة .ستة أشهر
من ألتدريبات ألمضنية قضاها مع شخصية هاملت . وهاهو أليوم
قد تغير وأصبح كائناً آخر . حتى أمه ألعجوز لم تعد تعرفه
كما كان وظنت أن ابنها ألوحيد أصابه مس من ألجنون . أما
حبيبته ألتي تسكن قرب بيته على بعد خطوات فقد شعرت أن
حبيبها ابتعد عنها ملايين ألفراسخ , ولم تدرك أبداً أن
هذا ألتحول في عقله و قلبه , لا علاقة له قيد أنملة بأحلام
ألصبايا ألفاتنات , أو بلمسة كف أو قبلة خاطفة , بل
بالبحث عن ألحقيقة ألمدفونة تحت ركام من الزيف .
فجأة
تبدد كل شيء وهو يمشي على ألرصيف . فهنالك سيارة سوداء
توقفت إلى جانبه . على إثر ذلك التفت جانباً ليرى من
بداخلها . إنهما رجلان لم يرهما من قبل :
- ها هو ألممثل ألمشهور . فرصة سعيدة أن نراك تمشي هنا .
- 1 -
قال أحدهم وأكمل ألآخر :
- إلى أين تمضي ؟ مثلك لا يمشون على الأقدام . تعال كي
نوصلك إلى حيث تريد .
- أنا ذاهب إلى ألمسرح . وأحب ألمشي في ألشوارع بمفردي .
أنها عادة قديمة
نزل الاثنان من ألسيارة وأحاطا به من ألجانبين .
- تفضل معنا . بهدوء رجاء . نحن سنوصلك إلى ألمسرح .
لقد مرت نصف ساعة على موعد ألعرض ولم تنفرج ألستارة . فما
ألذي حدث !؟ خلل فني !! ربما يكون كذلك . لكن ألصالة
مكتظة بالجمهور وألزمن يسرق أللحظات . كان ألمخرج ينظر
إلى ساعته ويتنقل فوق ألخشبة هنا وهناك باحثاً عن ممثل
هاملت . أما مدير ألمسرح فقد كان يقلب سجلاته عله يجد
عنوانه أو رقم هاتفه . في هذه الأثناء بدأت الهمهمات
ألخفيفة تتعالى تدريجياً وتتحول إلى لغط مسموع يصدر من
ألجمهور . بينما ألعيون ما زالت شاخصة في لون ألستارة
الأحمر ألذي لم يرفع بعد .
هذا ما كان يحدث في ذلك ألوقت ألعصيب . أن جميع ألممثلين
تهيئوا للعرض وأخذوا أماكنهم وهو ألغائب ألوحيد . كلوديوس
فوق ألمنصة ينتصب وبين أسنانه تتطاحن كلمات ألموت والرثاء
ألكاذب . ألشبح يتأهب خلف أسوار ألقلعة ليعلن ألبداية
ألمأساوية . أوفيليا زهرة ألماء أليانعة تنتظر عودة ألحبيب
. جرترود أمام ألمرآة تتساءل عن قلبها ألذي سيشطر إلى
نصفين وأيهما ستبقي . بولونيوس يختبئ في حجره ألأحمق .
ألمخرج ينادي ألممثلين فيتقدمون صوبه بحركة مسلوبة ألإرادة
:
- سأعتذر للجمهور . أللعنة عليه . ماذا سأقول للنقاد
وللصحافة !؟ وكيف أبرر غياب ألممثل ألرئيسي !؟
أجابته إحدى ألممثلات :
- ربما يكون قد تعرض إلى حادث . أو ربما يكون في أحد
ألمستشفيات . إذ ليس من عادته فعل هذا . فهو فنان معروف له
سمعته أيضاً .
- أعرف ذلك . لكن ليس باليد حيلة . سأخرج على الفور وأخبر
ألجمهور أنه مريض جداً . أو أنه توفى . أو ... لا أدري
ماذا أقول ... أنا حائر .
الممثلة تلتفت بغتة إلى أحدى جوانب ألخشبة وتهتف عالياً :
- أنظروا إنه هو . لقد جاء .
ألمخرج يلتمع في عينيه بريق أخاذ وهو ينظر إلى ألجسد
ألنحيف ألذي يدنو بأقدام ثقيلة ألخطوات . جموع ألممثلين
تسارع نحوه . أوفيليا تقف قبالته وترمقه بنظرة حائرة . أما
هم فقد تسمرت ألأسئلة ألعاصفة في ألسنتهم , وهم ينظرون إلى
وجهه ألأصفر ألذابل ألذي أجابهم دون أن تنبس شفتاه بأي
حرف . بيد أن ألمخرج قال مشجعاً :
- هيا . تحركوا . ألبسوه ملابس ألمسرحية ولنبدأ بعد خمس
دقائق .
- 2 -
هكذا هرع ألجميع إلى مساعدته . أحدهم يخلع ملابسه ويلبسه
حلة الأمراء . والآخر يضع الأصباغ على وجه . والثالث يضع
فوق رأسه ألشعر ألمستعار . إنه أمير الدانمارك ثانية .
وها هي موسيقى ألبداية تصدح فيرتوي غليل ألنفوس وتبقى
ألصالة ساكنة . ألستارة تنفرج ببطء ويسمع صوت ألشبح
مجلجلاً في ألفضاء ومن خلفه ألسحب ترذ رذاذاً حزينا في
ألمشهد الأول ...
ألقتل . ألخيانة . قدر صنعته يد ألبشر , فكان ألحب ينحر
لأنه ألضحية ألوحيدة ألمسالمة . ضحية يسيل دمها ألقاني
كلما اتسعت الأرض وتجددت ألحياة . وعليه فإنه ليس غريباً
أن يولد قدر جديد في كل مرة من رحم ألازمان , مطالباً
تارة بأرق ألطقوس وتارة أخرى بأبشعها . إنها دائماً نفس
ألحكاية تلك ألتي تمثل الآن حتى إذا تغيرت ألوجوه وتعاقبت
الأيام .
هاملت يستند إلى ألصخرة فتئن خلفه من ثقل ألكلمات . *ألا
ليت هذا ألجسد ألصلد يذوب , ويتحلل إلى قطيرات من ألندى .
*
لحظة صمت يتوقف فيها عن ألتمثيل . يمسك بالشعر ألمستعار
ويرميه أرضاً . يستل سيفه ويغرزه في ألخشبة . ألذهول ينتاب
الممثلون على إثر ذلك , وكأن أشجاراً صحراوية جرداء نبتت
في رؤوسهم . المشاهدون يلتفتون إلى بعضهم ألبعض غير مصدقين
. ألمخرج يزمجر صائحاً لكن صوته يرتد إلى حنجرته والهواء
يبقى حبيساً في رئتيه .
هو يتقدم صوب ألجمهور ويقف كالتمثال متطلعاً بالوجوه .
ألأصوات ألتي تعالت في ألصالة قبل قليل تخفت شيئاً فشيئاً
والسكون يفيق . بعد ذلك يتحرك هنا وهناك . يبتسم بمرارة
لبعض ألوقت ثم تنهمر ألكلمات من فمه كالمطر الغزير :
- لست أميرالدانمارك . أنا أبن ألشوارع ألحزينة وسيفي أمضى
من ذلك ألسيف . ملعون هذا الذي يجسد ألرفض على ألخشبة ولا
يحمله بقوة إلى ألعالم الفسيح . يا سادتي . كلوديوس ألآثم
مازال يتربع فوق تل من ألجماجم ألبشرية . أللعنة .
أحد ألمشاهدين يقف وسط ألصالة ويسأل دونما وعي :
- هل هذا جزء من ألعرض !؟ هل هذه رؤية جديدة للمسرحية ,
ام خروج عن ألنص !؟
- كلا أيها ألسيد . إنه ألواقع ألذي منعني من ألتأخر عن
العرض ألمسرحي . فقد كنت عارياً في أحد ألأقبية . لقد
أطفئوا في صدري أعقاب السكائر واكتوى لحمي بالجمرات
وهددوني بقطع رأسي . كل ذلك قد حدث لأنهم يخافون من
أليقظة .
لكي
يبقى كلوديوس إلى ألأبد ويموت مليون هاملت جديد .
- 3 -
يخلع ثوب ألتمثيل ليكشف عن صدره فتظهر آثار الحرق عليه .
نفر من ألمشاهدين يصفق للماكياج ألرائع ألذي يراه ,
والآخرون يغمضون عيونهم بمرارة . أما ألمخرج فقد ظل يولول
مذعوراً :
-
ستار . ستار . أسدلوا ألستار .
-
وليام شكسبير .*
|