|
|
بعد ظهور الاتجاهات الحديثة للفن التشكيلي العالمي
والذي ألقى بضلاله بشكل جلي على الفن العراقي
لاسيما عند مفترق واضح المعالم واعني به بعد
العودة من الدراسة في الخارج لعدد من الرواد
والنزوع نحو ميل للبحث عن الذات المحلية، الوطنية،
منقلبة على المرحلة التسجيلية للواقع، المناظر
الطبيعية، الصور الشخصية، والمتمثلة بمرحلة عبد
القادر رسام، والحاج سليم علي والتي تعد مرحلة
منقبلة ايضاً على الاسلوب المدرسي الذي يعتمد
طريقة (الامشق) في نقل الصور الشخصية... ازاء هذا
المتغير ظهرت اتجاهات متباينة.. تبعاً الى
الاختراق الذي يحرك مكامن الفنان من رؤى تتدخل بها
الاسقاطات الذاتية للفنان والمنعكسة من الانحدار
الطبقي والثقافي والايدلوجي احيانا، لذلك ارى ان
تحديد اختلاف الاتجاهات من موضوع واسلوب قد ولد من
رحم هذه العوامل المشتركة، من حراك الواقع
الاجتماعي وسخونه محيطه البيئوي ... |
|
 |
|
الفنان ستار لقمان |
|
فهنالك
من تدفق في عروقه توترات الواقع ومحنة الازمة فظهرت نتاجات
ثورية ملتهبة وقد تجسد ذلك في ملحمة جدارية جواد سليم مثلا
وكاظم حيدر- اسماعيل الترك مهر الدين شوكت الربيعي صلاح
جياد محمد علي شاكر وابتداءاً من مرحلة الرواد وما
تلاهامرحلة الستينات وما بعدها خاصة تلك النتاجات المفعمة
بحماس ونغمة الواقع وارهاصاته ، وهنالك من ركن الى مناخ
تأثيري – انطباعي – كحافظ الدروبي وعطا صبري ونجيب يونس
واسماعيل الشيخلي باستثناء بعض الأعمال لديهم ... وهنالك
من زوال الخوض بمهارات تقنية ذات أسلوبية تجريدية او
تجريدية تعبيرية والبعض تعبيرية واقعية والتي عكست موضوعات
ساخنة ايضا ..
 |
والبعض منهم من التزام بالإمساك بزمام رصد الواقع
الفلكلوري للمجتمع برؤية وجدانية هادئه ، متطابقة
مع اهمية ثوابت النظم والاعراف التي نرفض الدحض
مهما تبدلت معطيات الواقع السياسي والاجتماعي
المتغير والمصحوبة بشحنة الانفعالات والاستجابات
والازاحه ، تبعا الى المتغيرات الحاصله من مستجدات
حراك منظومة الواقع الموضوعي والمرتبط بمفاهيم
التكيف او الصراع ومنها المنطق (البراغماتي ) ان
تلك الدواعي دعت نخبة من الفنانين ان لا يكترثوا
أمرا الا لواقع بيئتهم المفعمة بالتقاليد الشعبية
ذات الطابع الحسي والجمالي من حكايات وانماط حياة
الافراد اليومية ومنهم الفنان ستار لقمان.. لذلك
.. |
وبالضبط
نجد ان موضوعات اعماله تشكل نسيجا تفصيليا ليوميات الفرد
الحياتية ضمن البيئة التي ينتمي اليها في الريف او المدينة
وعلى حد سواء ، فالفنان (مراقب ) الى الحيثيات بمشاهد
تسجيلية تتوغل داخل فنارات متعددة ومداخل لازقة تكبر ثم
تضيق في منعطفاتها .. تنعكس من مشاهدها التصويرية موجات
سمعية لتلك الاحاديث المتقاطعة والمتشاكسه في الاسواق
والممرات والطرق الشعبية .
اسلوبية العمل :-
ان طبيعة الموضوعات الفلكلورية التي تناولها الفنان ستار
لقمان في اعماله التشكيلية حتمت عليه البحث عن اسلوبية
تتوائم مع تلك الموضوعات والتي تكاد ان تكون ذات امتداد
الى طروحات الفنان الرائد جواد سليم وهي بدورها ايضا تنهل
من اعماق المناخات وخطوط الواسطي المبسطة .
الا ان الفنان ستار لقمان قد منح اعماله نكهه احتفالية
مبهجة متظمنة حساسية لونية تنم عن معالم تشكيلية ذات مساس
ببساطة وبراءة الانسان الشعبي فمنحها بعدا دافئا متفائلا
وقد وفق الفنان من حيث التراكيب الشكلية لبنية العمل بين
تجريدية التنفيذ وانطباعية الالوان المتضاده والهرمونية
لذلك فاسلوبية الفنان ستار لقمان تكمن في عملية البناء
المتميز من تفاصيل مزدحمة وكثيفة اما المواضيع الشعبية
فقد اقترنت بشكل الحفاظ على بعض القيم الاسلوبية منذ اواخر
القرن التاسع عشر مبكرا اذ تجلى ذلك في أعمال نيازي مولوي
بغدادي ثم عبد القادر الرسام ، لقد كان كلاهما واقعيا
وشعبيا في الاسلوب فكان الفنان العراقي في مرحلة الخمسينات
يحاول استلهام الفن الشعبي موضوعيا وتقنيا وجماليا وكان
التأكيد وحينئذ هو الجذر الانساني الشعبي لكن عند ستار
لقمان اتسع هذا المدلول الاجتماعي والشعبي فلم تكن اعماله
على النسغ السائد والمتمثل بالواقعية الشعبية او
الاشتراكية وخاصة في السبعينات من القرن المنصرم مثل ماهود
احمد ومحمد عارف فالبعض قد انطلق من موقف ايدلوجي او فكري
مثلما اتضح الامر عند صلاح جياد وفيصل لعيبي ويحيى الشيخ
مثلا .
ان أسلوبية العمل لدى الفنان ستار لقمان رغم تجريديتها
التقنية الا انها واقعية المشهد المفصل وبساطته وهي لم تكن
منفصلة عن أهدافها الاجتماعية.
المعالجات والنتائج :-
|
قلنا في معرض حديثنا السابق ان الفنان ستار لقمان
في اسلوبية عمله بناء خاصا مفصلا مزدحم بدقائق
واجزاء تتطلب منا تامليا البحث عن تفاصيل غير
مباشرة على العكس من موضوعات خضير الشكرجي مثلا
والتي تجسد في اعماله شخوص رئيسية في العمل وغير
محتشدة نسبيا ، هذا الامر تتطلب من الفنان ستار
لقمان الاعتماد على معالجات تتناسب مع تلك
الانشائية المقصودة ومنها التنوع في المفردات من
حيث اللون او النوع وبهذه الطريقة استطاع الفنان
ان يعالج موضوع التوازن الشكلي وحتى اللاشكلي
فنلاحظ امراة تقف في منتصف اللوحة بلون احمر تشكل
بؤرة مركزية للعمل وعلى جنبيها أشخاص متقاربين في
اللون كي يحققوا عملية توازن شكلي وبناءا مغايرا
او مضادا للعنصر المركزي ... |
 |
ومن
الجدير بالذكر قد يحصل تداخلا ضمنيا في هذا السياق بناء
العمل التكويني ما بين عملية التوازن وايقاع الوحدات
المتمثلة بالاشخاص والذي يعكس ايقاعا ثابتا نسبيا .. وقد
استطاع الفنان من تحريك ذلك بحركة التقسيمات او التجزئات
اللونية المستمدة من التاثيرات الانطباعية التي تشكل
اتجاهات دينامية رغم تماثلها (السيمتري) من الناحية
الشكلية ، مستطيلات متماثلة ومتجاورة ، او مربعات ، او
مساحات عفوية ناجمة عن التقسيمات الفائضة من الوحدات
المتداخلة . ان البناء الشكلي لمفردات العمل تقترب من
الأفاريز الجدارية او النظام الجداري الموزائيكي والذي
يفضي بدوره الى نتائج افرازات لونية متضاده ومتقاطعة
احيانا على شكل انحناءات واقواس متداخلة بتقنية تقترب من
المعالجات التجريدية الاسلامية ، فالرؤية والمشاهده عن بعد
يمنح المتلقي خلاصة تناغم لوني احتفالي دافئ مزخرف بالمعنى
الحديث .. ، اما أسس الحركة الناجمة من هذا البناء فأنها
تتغاير اتجاهاتها بشكل معاكس للوحدات الرئسية ، وبالعكس
تتجه مع التشكيلات الافقية ، وبذلك تتعالج عملية سياق
الانماط الايقاعية الرتيبة ، كما ان المجالات الفائضة التي
تحدثنا عنها يعمد الفنان الى اعطائها لون مغاير للوحدات
المحيطه كي تشكل رؤيه بصرية متوازنه ، وقد نلاحظ في بعض
اعمال الفنان معالجات تكميلية للتكوين الرئيسي للعمل فيضع
شباك تراثي للعمل بجانب واجهه لسكن من الشناشيل منفصل
تماما عن الجزئين والرابط بينهما يتم باستكمال الصورة
المشهدية لدى رؤى المتلقي ، وارى انها لم تعد تؤدي الى خلل
تكويني للعمل ونفس الأمر يتكرر بوجود مفردة (حيواناً او
مصباحا و طير او دائرة حمراء يحيطها فضاء ابيض) تدل
بالايحاء انها مصباح او وحدة زخرفية خلقتها ضرورات
التكامل الموازن للمساحة الزائدة وكذلك تحقيق ابعاد الوحدة
للبناء العام للعمل ومن الملاحظ ان الفنان ستار لقمان في
اغلب اعماله يميل الى اتباع الوحدات المتماثلة (السيمترية)
سوى بعض التعديلات الشكلية او اللونية اما العمق الفضائي
للعمل فانه يبقى محددا ضمن التكوينات ، والفضاء المتبقي
للتكوينات ممتلئه بذات التكوينات القريبة من البناء
الرئيسي فيضيف لها ضمن التقسيمات الجدارية بطيور او اشجار
او دلالات لونية متكافئه .
دلالات الموضوع
ان منهجية طروحات الفنان ستار لقمان كما ذكرت في المقدمة
هي تسجيل واقع الفلكلور الشعبي البغدادي او المدينة والريف
بشكل عام الا انها محمله بثراء غزير لميثولوجيا غير مغلقة
الحدود عالم يجمع بين واقع حضري جديد وبين البساطة
الشعبية .. عادات وتقاليد ، انعكاس لممارسة المهن والحرف
اليدوية من صيد الأسماك تربية الدواجن ، ان تلك الموضوعات
المتضمنه منظومة حراك اجتماعي يومي مليئه بالتفاؤل والحركه
الدؤوبه تفضي دلالاتها المعنوية الى بعدين :- بعد
تسجيلي لنمطية سياق اجتماعي في حدود الزمكانية مبتغيا من
وراء ذلك الحفاظ على تلك المشاهد الاجتماعية في وقعها
التاريخي داخل العمل الفني للبقاء على مشهدها التوثيقي
خشية من التبدلات الحاصلة ، او التغيرات التي تفضي الى
اختلاف المدلول الأصلي لتلك المشاهد وعبيرها النقي .
اما البعد الثاني :- فقد يرمز الفنان الى دلالات اخرى ..
فالمرأه القروية التي تحمل على رأسها ماكنة خياطة هي أمراه
رغم واقعها الريفي والذي يقتضي احيانا ممارسة مهنة الزراعة
مع زوجها او اخيها الرجل ، الا انها في الوقت ذاته تمارس
ميكانيكية الإنتاج التقني والصناعي ، وهي رمز لدخول مديات
الحضارة او المكننه الصناعية مع الزراعة ونلاحظ في مشهد
اخر أمراه تحمل على رأسها مذياع (راديو) للدلاله على وصول
مايجري في العالم من اخبار واعلام وهو رمز لاقتراب الانسان
في هذه المناطق من الأحداث والثقافة الانسانية وقد استخدم
هذا الرمز لدى بعض الفنانين الذين تناولوا الفلكلور الشعبي
ومنهم الفنان ماهود احمد وغيرهم . اذا فادخال مثل هذه
الوحدات دلاله على التطور الحاصل للريف انذاك ، والفنان
ستار لقمان يعمد في غالب الأحيان على إبراز المفردات
المستخدمة للإنسان والمصاحبة له في حياته سواء كانت متعلقة
بحياته العملية او التكميلية ، والترفيهية ، ولذلك ركز على
اظهار العناصر بإخراج تزيني يوائم المناخ الشعبي
الفلكلوري ، وان الاستغناء عن التفاصيل وغياب ضوابط
المنظور الواقعي والميل الى الاسلوب (الجوادي) هو انصراف
نحو الموازنات الجمالية التي تخدم متطلبات الثيمة العامة
التي تهدف الى البناء الشكلي الفلكلوري ، وقد يستخدم
الفنان في الفراغات الفائضة في الاعلى او المتبقية
والمكملة الى الوحدات الرئيسة للعمل على شكل اقواس او
دوائر لونية تتخلل اجزاء الوحدات، فعندما نتأمل الوحدة
التكوينية لجسم أمراه او رجل نجده يتكون من مفاصل ملتحمة ،
دوائر او أشكال مخروطية تنتهي نهاياتها بزوايا ضيقة اشبه
بالدمى الخشبية حافاتها هلالية الشكل – كما فعل جواد سليم
– ان هذا الأسلوب هو امتداد الى المدرسة البغدادية والتي
استمدت جذورها من التراث الإسلامي والشرقي عموما بمنطق
حداثوي ، والحداثوية في اغلب اتجاهاتها الشكلية بهذا
الخصوص في حقيقة الامر هي امتداد لهذا التراث مع التحوير
.. لذلك فالاسلوب بهذا النوع هو العودة الى جذور الشرق
شكلا وجوهرا لذلك نلاحظ ان هذه التقسيمات الجدارية ذات
الأفاريز المستطيلة او الرأسية هي نمط من أنماط المبررات
التاريخية خدمت المدلولالات الفلكلورية للبناء التكويني
العام دون افتراض او تلصيق قسري وبشكل عام فان الفنان ستار
لقمان قد حقق مهمة فنية ثقافية مبنية على أسس وعلامات
جمالية تلقي استحسان شائع لمتذوقي جمال الشرق والبغدادي
تحديدا متجاوزتا الأطر المحلية للاقتناء والتذوق معا .. في
هذا النوع من العمل أضحى الفنان بمثابة سفيرا مشروعا
لثقافة ونظاما خاصا طالما جذب العالم بسحره الشرقي ذي
الألوان النقية والأداء غير المفتعل الذي يخلو من انعكاس
تعقيدات العصر وإرهاصاته المغلقة .
|