|
 |
في كتابه " المكان، الزمان،
والعمارة"؛ نصه الذي اعُتبر دوماً، من النصوص
الكلاسيكية التى تعاطت مع منجز عمارة الحداثة،
يشير مؤلفه الناقد المعماري " سيغفريد غيديون"
(1888-1968)
Siegfried
Giedion
الى ظهور" الجيل الثالث" في مسار ذلك الحدث
الابداعي الذي بدء في التشكـّل بالعشرينات من
القرن الماضي وأعني به " عمارة الحداثة" . |
ومقراً
بوجود فوارق مهنية بين تلك الاجيال الصانعة لذلك الحدث،
فان غيديون يشير في الوقت ذاته، الى حضور"سمة اساسية
إكتنفت مسار الحركة الحداثية المعمارية، وهي سمة التعاقب،
التتابع او الاستخلاف بين تلك الاجيال. والتى، وفقاً
لرؤيته كفلت استمرارية تطور العمارة" ((Space,
Time & Architecture,Moscow,1984 , p.362{Russian Edition}
. ومع هذا، فان ناقد عمارة الحداثة المعروف
يميز اختلافات جوهرية اتسم بها "الجيل الثالث" عن سابقيه،
اختلافات نابعة أساسا من تداعيات التطور الحاصل في
تكنولوجيا البناء وتغيير الذائقة الجمالية وظهور قضايا
مهنية جديدة تطلبت حلولا معمارية غير مسبوقة. ومن ضمن
المفاهيم التى تناولها " الجيل الثالث" بالتقصي والبحث
والممارسة، كما رصدها الناقد، الاهتمام المكثف بنماذج
العمارة التاريخية، ورؤية ذلك الاهتمام ليس بكونه امراً
شكلياً، بقدر ما ".. كان ينطوي على ادراك عميق لكنه
العلاقات الجوانية الرابطة لما بين العصور؛ والتى امنّ
حضورها في الخطاب المهني، التطور المستمر الذي صاحب مسار
العمارة" (ص. 362).
 |
وما يشير اليه "سيغفريد غيديون" من
افكار في مستواها العالمي، يمكن بنجاح اسقاط
مفاهيمها على الحالة الاقليمية او المحلية. واقصد
بالاخيرة، طبعا، الحالة العراقية. بمعنى ان مسار
حركة التحديث المعمارية العراقية، التى تأسست
بمواكبة زمنية، مع بدء " اعلان" مبادئ الحداثة
المعمارية، والتى باتت صيرورتها في وقت لاحق
تمثيلاً لاشتغال موازٍ مع ما يمكن ان نسميه
مقاربات منجز عمارة الحداثة العالمي، افرزت هي
الاخرى " جيلها الثالث"؛ الجيل الذي عمل واجتهد
تصميمياً ضمن إشتراطات المرحلة الزمنية وظروفها
الموضوعية والذاتية معاً. وهذا كله سيمهد السبيل
لقراءة جادة لمسار تطور الحداثة بالعراق، ويمنحنا
إمكانية إجراء تقييم موضوعي له، عبر الاحساس بحضور
عنصرالمجايلة وتحديد فتراتها المرحلية، من دون ان
يعني ذلك رسم حدود قسرية تفصل بين اعمال تلك
الاجيال. |
وبما ان الحداثة المعمارية نشأت عندنا، في
العراق، كما اسلفنا، في العشرينات، بتزامن طريف مع ظهور
الحداثة المعمارية العالمية؛ فان فترة عمل "الجيل الثالث"
الذي يتكلم عنه "غيديون"، انحصرت زمنياً بين منتصف
الخمسينات وبدء الستينات ؛ وهي ذاتها الفترة التى تشكل بها
عندنا ذلك الجيل المهني، الذي عوّل المسار التطوري
للعمارة المحلية على منجزه امالا عريضة، لكن تلك الآمال
ظلت، مع الاسف، مجرد آمال وتمنيات بعيدة عن التحقيق،
وبالتالي لم يؤثر انتاج ذلك الجيل (المحدد المعالم
والمتماثل في مرجعياته التصميمية) تأثيرا عميقاً في
الممارسة المعمارية المحلية. وإذ اتسم منجز الجيل الثالث
في مستواه العالمي على بلوغ تخوم ابداعية لم تكن معروفة او
متداولة كثيرا في الخطاب المعماري يومذاك، كما يذكرّ
غيديون بعضاَ منها، على سبيل المثال لا الحصر؛ فان ذلك
المنجز قد تحقق في اجواء ثقافية معاضدة للابداع ، وبوجود
فرص وإمكانات يسر حضورهما حُسن سير العملية الابداعية
اياها. في حين كتُب على ممثلي "الجيل الثالث" العراقي ان
يعملوا وينتجوا في "فضاء" احداث متقلبة جذرياً في
مرجعياتها القيمية، وفي ظروف مستجدة ودائما طارئة، معظمها
غير ملائمة اطلاقاً لتطلعاتهم وعملهم. وهذه الاحداث
بدأتها ثورة تموز 1958 ، وما افرزته من نظام الحكم الفردي
وما صاحبه من هشاشة استراتيجيات منطلقاته العمرانية
المتسمة على غموض الاهداف في احيان، وغيابها التام في
احيان آخرى.
لكن ما احدثه انقلابيو 8 شباط 1963 من "
اجواء" حافلة بالرعب والقسوة غير المسبوقة، فاق كل ما مرّ
سابقاً من "احداث" مدمرة على العراق والعراقيين ، عاملة
عملها التخريبي في وأد والغاء اية فرصة محتملة للابداع
الحقيقي، ومبعثرة، في الوقت نفسه، آمال " الجيل الثالث"
في محاولته لجهة تحقيق اهداف مهنية جادة. ذلك لان القسوة
المنفلتة والفظاعات التى اوقعت الفزع بالنفوس التى تبنى
سياستها "الشباطيون" وتم تكريس " ثقافتها" بقوة السلاح،
طالت الجميع، وبالطبع طالت المعماريين ولاسيما "الجيل
الثالث" منهم، كثر منهم وجد نفسه امام محن الاعتقال
والتشريد والطرد العشوائي من وظائفهم او في احسن الاحوال
تضييق الخناق على البقية الباقية منهم. وما ارساه "الشباطيون"
من ممارسات تعسفية وقسوة مفرطة، افضت ليس فقط الى ترويع
المثقفين وتكميم افواههم ، وانما كرست "بمنظومتها" الجديدة
قيماَ منحرفة لم تراعِ كثير أهمية للنزاهة او الخبرة او
الكفاءة او الاختصاص لدى الاخرين. ان "دورهم" في هذا
المعنى (مع ممارسات "ورثتهم" في انقلاب سنة 1968) ، لا
يختلف كثيرا عن دور محاكم التفتيش الكنسية بالعصور الوسطى؛
عندما "زرعت" الاخيرة الخوف والذعر لدى ممثلي الطبقة
المتنورة الايطالية، وارغمتهم عن طريق الارهاب والوعيد،على
الصمت ونبذ الافكار الطليعية؛ ما جعل من ايطاليا المرعوبة‘
وهي المولدة والحاضنة الرئيسية لافكار عصر النهضة ،ان تعيش
قروناً عديدة في قطيعة تامة مع تلك الافكار التى ابتدعتها
هي نفسها، وان " تسكن" في ظلام ابستيمولوجي دامس ومريض،
لم تبرؤ منه الا مؤخراً. لكننا لن نسترسل كثيرا هنا في
مثل هذا الحديث، لان مكانه دراسات مطولة وربما كتب، نعتقد
ان اوآنها قد آن، بعد نصف قرن من ذلك الحدث الذي افضى، من
دون، ربما، قصد، الى ما افضى لعقود من سنين عجاف غارقة في
ظلاميتها وهولها، وما نجم عنها من ارتداد مشين، نرى في مثل
كتاب المعمار رفعة الجادرجي " جدار بين ظلمتين" صرخة مدوية
في ذلك الاتجاه.
|
تبدو اسماء معماريين مثل ابراهيم
علاوي وعصام غيدان وأنيس عجينة وطارق الجدة وغسان
رؤوف، وفؤاد عثمان وغيرهم كثر، تبدو غريبة، الان،
على وقع مسامع المثقفيين العراقيين وعلى مسامع
المعماريين منهم ايضاً. فماكنة التغييب، "أشتغلت"
بكفاءة ما بعدها كفاءة في إخفاء مجموعة تلك
الاسماء التى شكلت قسماً من جسم الجيل الثالث،
واقصتهم عن الذاكرة المعمارية العراقية. انه غياب
ظالم لجيل كامل، كان يمكن له ان يثري المشهد
المعماري المحلي بانجازات حقيقية،
|
 |
انجازات ربما غيرت كثر من معالم البيئة
المبنية المحلية (وحتى الاقليمية) المتعطشة للتجديد،
والتواقة لتنفيذ طروحاتهم وممارساتهم المهنية عالية
النوعية. بالطبع ثمة اسماء معمارية اخرى امثال عدنان زكي
امين وعبد الستار عياش وهنري زفوبودا ودريد الياور وعادل
صالح زكي وصلاح الاحمدي وباسل جهاد حسن وجورج انطوان جورج
وعبد السلام فرمان وكمال تاج الدين وغيرهم من الاسماء التى
شكلت مع تلك الاسماء المذكورة اعلاه ما يعرف بالجيل
الثالث، قسمُ منهم عمل لفترة، وآخر توارى سريعاً من المشهد
المعماري تحت ضغط ظروف معقدة ومتنوعة، اتسمت بها المرحلة
التى نتكلم عنها. لكن اعمال "معاذ الالوسي"(1938)، وهو احد
معماري الجيل الثالث، كانت مؤثرة وحاضرة بقوة في الممارسة
المعمارية المحلية.. والاقليمية ايضاً؛ ومنجزه المعماري
المتنوع والمستمر، هو الذي يضفي أهمية خاصة على عمارة ذلك
الجيل، ما يمنح دراستنا الحالية المكرسة "لسبعينيته" التى
تتوافق هذه السنة (2008)، بعداً مضافاً يحمل دلالة التذكير
باؤلئك الذين غيبوا على نحو قاسٍ وظالم؛ فعمارته في معنى
ما، هي حضور في وجه الغياب. ومن هنا، ايضا، مشروعية
الاحتفاء به وبعمارته.
وقبل الانتقال الى صلب الموضوع الذي اتطلع
الى تناوله، اود ان احدد معنى مصطلح "الجيل الثالث" الذي
اتعاطى معه. فهذا الجيل الذي تأهل معمارياً ومارس المهنة
في فترة زمنية محددة، هو الجيل الذي خلف جيل سابق من
المعماريين الذين تخرجوا في الاربعينات وبدء الخمسينات،
والذين اعتبرهم ايضا خلفاً لجيل اول تأهلوا معماريا في
الثلاثينات، أولئك الذين واكبوا فترة عمل المعماريين
الانكليز الذين عهد لهم تدبير وتنفيذ المشاريع العمرانية
في بدء نشوء الدولة العراقية الحديثة. ومصطلح معماريي "
الجيل الثالث" يتعين ادراكه كخيمة فضفاضة إنضوى تحتها
معماريون عديدون. مثل جميع تلك الاسماء التى ذكرت توا( وقد
تكون جميعها لم تذكر، بسبب نقص المعلومات .. والنسيان ايضا!)،
لكن ثمة اسماء لمعماريين آخرين ليس بالمستطاع " نسبها" الى
الجيل الثاني، كما ليس بالامكان" عدها" من الجيل الثالث،
انها تقع عند تخوم جيلين، مثل: هشام منير وناصر الاسدي
ومهدي الحسني وفاضل لازار ومحمود حمندي وغيرهم، تماما مثل
بعض الاسماء الآخرى التى تقع عند نهايات فترة الجيل الثالث
وليس منه مثل: هيثم خورشيد سعيد وياسر حكمت عبد المجيد
وعصام السعيد وعباد الراضي وطالب الطالب ونزار عثمان
وغيرهم. ويظل تشابه العامل الزمني وتماثل الظروف التى
عملوا فيها، هما اللذين يحددان مصطلح معماري " الجيل
الثالث"، هم الذين مارسوا عملهم وفق مقاربات مهنية
متقاربة، وتلقوا جميعهم تعليمهم المعماري خارج العراق، ما
يمنح تلك التسمية نوعا من المصداقية والوثوقية. تنبغي
الاشارة بان خصوصية موقع المعمار ضمن "خيمات" الاجيال
المذكورة، لا يعني باي حال من الاحوال اكتساب المعمار
بصورة آلية نوعا من التقييم المهني. ذلك لان اسلوب "التحقيبات"
الجيلية، كما هو متعارف عليه نقدياً، ماهو الا اداة لالية
تستخدم بغية التركيز على قضية فكرية محددة، ولاجل مزيد من
التحليل والاضاءة لها، وليس غير.
 |
ولد معاذ الالوسي في 24 تشرين
الثاني 1938 ببغداد في احد احيائها القديمة
التاريخية ، وبعد ان درس لسنة واحدة في كلية
الزراعة بجامعة بغداد، انضم الى بعثة دراسية
لدراسة العمارة في جامعة الشرق الاوسط بانقرة في
تركيا، التى كانت برامجها التدريسية وقت ذاك
مأخوذة، كما هو حال الثقافة التركية في الخمسينات
بالنموذج الامريكي الواعد وبنجاحاته في شتى
الميادين بضمنها العمارة، وتحديدا عمارة الحداثة،
التى انتقل مركز ثقلها الى الجهة الاخرى من
الاطلنطي ، تاركة مكان " اختراعها" الاوربي نهبا
للحروب والخراب. |
وحالما انهى تعليمه المعماري عام
1961 قفل "معاذ" راجعاً الى بغداد، بعد زيارات قصيرة الى
ايطاليا والمانيا؛ لينضم وهو المتعين حديثا في دائرة
الاسكان وبتوصية خاصة من رفعة الجادرجي (1926) الى مكتب
"الاستشاري العراقي"، الذي كان الجادرجي احد مؤسسيه.
ومن عمله في المؤسسات الحكومية ونشاطه
التصميمي في المكتب الاستشاري استقى المعمار الشاب خبرته
المهنية الواقعية وتعلم منهما على "اسرار" المهنة وطرائق
التصميم ضمن مقاربات معمارية اجتهد مع اخرين في صياغتها.
فضلا على ادراكه لخصائص المواد المحلية واسلوب البناء
وطريقة التعامل اليومي مع المنفذين. وسيقول لاحقا عن "
جامعاته" المهنية بانه مدين لهما باكتساب الخبرة
المعمارية. وعن عمله في دوائر الدولة بانها فترة مفيدة
جدا، وضرورية جدا للمعمار ذلك لانها تمنحه " .. التعرف على
الانظمة والاعراف الهندسية وتسلسل العلاقات في دوائر
الدولة وطرق ادارة المشاريع وتمويلها.." والاهم " ..هاجس
المكان الذي لم اكن ملماً به قبل الدراسة المعمارية" (
معاذ الالوسي < درب العمارة> مخطوطة، قبرص 2007).
اشترك معاذ في دورات دراسية في " الجمعية
المعمارية" في المملكة المتحدة( 1963-64) مختصة في الابنية
الدراسية بالمناطق الاستوائية، وبعد سنين عديدة (1961-70)
قضاها في مؤسسات وزارة الاشغال :الاسكان والمباني،استقال
اخيرا في نيسان 1970 ليتفرغ بالكامل للعمل في المكتب
الاستشاري العراقي، الذي سيتركه ايضا بعد حوالى اربع سنوات
( مايس 1974)، وليؤسس لنفسه مع اخرين مكتب " الدراسات
الفنية" في بيروت /لبنان ، وبعد حله ينشأ مكتب " الالوسي
ومشاركوه" في قبرص.
صمم معاذ الالوسي مبانٍ عديدة ذات وظائف
متنوعة، وبمقاسات مختلفة، كما ان "جغرافية" مواقع مبانيه
شاسعة جدا؛ فهو وان بدء حياته المهنية في وطنه العراق وصمم
له الكثير(والاجمل؟) ، لكنه ايضاً إشتغل للخليج ولافريقيا
وبلاد الارمن بالاضافة الى قبرص ولبنان، ولايزال ينشط
ويصمم في مقر إقامته القبرصية الحالية.
|
لا تسعى هذه الدراسة لان تكون
توثيقاً "لمؤلفات" المعمار الكاملة، فهذا ليس
هدفها، انها تنشد قراءة نقدية جديدة، يكمن "جديدها"
في تعاطيها مع آليات النقد الحداثي، القادر على
اضاءة "النص" الالوسي المعماري المتنوع والمميز ..ايضاً،
وتبيان اهميتة التصميمية عبر التركيز على نماذج
مصطفاة، نزعم بانها ذات أهمية تصميمة خاصة في منجز
المعمار، ومنجز العمارة العراقية والاقليمية على
وجه العموم. |
 |
تشترك معظم تصاميم الالوسي بسمة تكوينية
واضحة ، سمة قد تكون حاضرة في اكثرية مشاريعه المنفذة
والمصممة وهي سمة "التماثلية"
Symmetry
،
ما يمنح غالباً تلك المشاريع نكهة كلاسيكية مفرطة، توحي
الى ثبوتية انشائية ورصانة فورماتية عاليتين . وهو كثير ما
يطوع اختلاف المادة الانشائية المستخدمة في مبانيه من اجل
تكريس نزعة التماثل الذي يسعى اليها لتشكيل مساقط مبانيه
وصياغة واجاهاتها. ويضحى قرار" التماثل" اياه بالنسبة اليه،
وكأنه قرار تصميمي ملزم، بل وكأنه "مفروض" عليه، بيد انه
لا ينفك يتعاطى معه بمودة "تشيها" اساليب تنوع المعالجات
التكوينية الموظفة وفنيتها العالية. وتغدو مبانيه " اتحاد
نقابات العمال" (1974) المنفذه في مناطق مختلفة بالعراق،
و"مشروع المصرف المركزي (1975) في صلالة بعمان، والبنك
العربي الافريقي (1977) و" مطبعة دار القبس" (1978)
بالكويت العاصمة، و"البنك العربي"(1978) في مسقط، ، و"
سفارة الامارات العربية المتحدة(1979) في عُمان، والسفارة
القطرية (1976) في عمان، والسفارة الكويتية في البحرين،
ومركز الدراسات المصرفية" (1980) الكويت العاصمة، فضلا
على "مشروع مسجد الدولة الكبير"( 1982) بغداد / العراق،
ومركزصلالة الثقافي (1982) في عمان، و"مستشفى البسمة
الاهلي" (1989) بالوزيرية ببغداد/ العراق، ومبنى" كمال
حمزة" (1979) بالخرطوم / السودان، ومشروع القصر
الرئاسي(1995) في برازفيل / الكونغو، وحتى "معمل كندا دراي
وسفن آب"( 1978) في دبي، و" خدمات مرسيدس بنز"(1999) في
يرفان / ارمينا، وغيرها من المشاريع، تغدو جميعها تمثيلاً
لحضور بليغ للتماثلية تلك السمة التكوينية القريبة الى قلب
المعمار. لكن التماثلية وان كانت ذات اهمية كبيرة في
تكوينات الحل التصميمي المقترح، فانها لم تكن السمة
المحتكرة للاهمية كلها ، فالمعمار مهتم ايضاً بتكريس
الهندسية: الهندسية المنتظمة، " المروضة" كما وودت ان
ادعوها، والتى تحضر هي الاخرى حضورا فصيحاً ،بتوازٍ مع
التماثلية، في التكوينات المبتدعة. ثمة اعتناء زائد ايضا
في تكريس "النظام" Order
في عمارته
بالاضافة الى تأكيده للفعالية الوظيفية، والحسّ المنطقي في
توزيع الفراغات؛ وان تراءى لنا عكس ذلك نظراً لولع المعمار
في توظيف معالجات تعبيرية في واجهاته، قد لا تكون
توظيفاتها مسوغة وظيفياً على نحو كامل.
ولئن تعاطى المعمار مع تلك المقومات
Features
التكوينية التى اشرنا اليها توا، بصورة قد تبدو دائمية في
غالبية تصاميمه، فان مهام تنطيق تلك المقومات اختزلها
المعمار في مفردة تصميمية واحدة، وهي مفردة شكل "القوس".
و"القوس" لدى الالوسي ليس فقط سطحاً ببعدين، وإنما كتلة
بثلاثة ابعاد ايضا. ويوظف المعمار تلك المفردة التكوينية
في تكرار مدهش، لكن تنويعات ذلك التكرار لا تقل هي الاخرى
إثارة للدهشة. وهو في هذه الحالة لايقصر استخدام شكل
القوس الكامل لوحده بل نرى استعملات متنوعة لانصافه
واحيانا ربعه. انه يشاهد جلياً في معالجات واجهات مبانيه
المتنوعة وفي كتلها، لكنه ايضا يوحى اليه. فالمعمار حريص
على تذكيرنا، حضوراً وغياباً، باهمية المفردة التصميمة
التى يتعاطى معها. هل لي في حاجة لتذكير القارئ عن مواقع
توظيفات تلك المفردة التكوينية في تصاميم المعمار؟ ذلك لان
غالبية مشاريع الالوسي " تفيض" باستخدامات تلك المفردة،
وهو امر يجعلنا ان نتوقف قليلا عندها لتقصي حيثيات ذلك "الاغراق"
القوسي في تصاميمه!.
يثير الالحاح والتكرار والتنويع لاستخدام
مفردة "القوس" لدى الالوسي، تساؤلا مشروعاً عن خلفيات هذا
القرار التصميمي، الذي جعل من شكل عمارته لتكون شكلا من
اشكال " تنويعات قوسية". فبالاضافة الى استخدام القوس في
غالبية ( جميع؟) مبانيه وخاصة المصممة ابتداءا من
السبعينات، نراه حاضرا بقوة ايضا في مشاريع آخرى لم يكتب
لها التنفيذ. كما نرى مفردة القوس طاغية في "موتيف"
تخطيطات المعمار التى جمعتها " سلمى سمر الدملوجي"
واصدرتها في كتاب بعنوان "يوميات بصرية لمعمار عربي :معاذ
الالوسي". ونعتقد ان تفسيرظاهرة تلك المفردة التكوينية
وإدراك بواعث توظيفاتها في الحل التكويني، بمقدورهما ان
يحددا لنا طبيعة العمارة التى نتعاطى معها: خصوصيتها،
وإضافاتها وأهميتها ...و"رسالتها" ايضاً.
في مقدمة كتاب " يوميات بصرية.." ، يشرح
"جبرا ابراهيم جبرا" تجربة "معاذ" مع مفردة القوس فيكتب"..
وكون هذا الفنان معمارياً عربيا يضفي على الموضوع مغزى
خاصاً، فقد اقترن العرب في اذهان الناس اقترانا وثيقا
بعمارة الاقواس، حتى ليتساءل المرء ألم يكن العرب هم الذين
اخترعوها. ولما كان معاذ الالوسي عراقياً فإنه قد يؤكد على
ان القوس استعملت لاول مرة بشكل كبير وذي وظيفة بنيوية عند
البابليين والآشوريين . .. " " ...ان ثمة ايحاء بقوة
عاطفية في الخط الذي يتصاعد من الارض وينحني مع السماء
ليسقط ثانية الى الارض. وإذ يتكاثر هذا الشكل، فان وقعه في
الغالب اشبه بالموسيقى التى تملأ الصدر بجذل أو انشراح
فجائي يكاد يعجز عنه اي تحليل." (يوميات بصرية لمعمار
عربي: معاذ الالوسي، اعداد وتصميم سلمى سمر الدملوجي،
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1983، ص 6-7).
تبدو كلمات الناقد الفني المعروف، معنية
اساسا في تقديم "شرح" لواقع ملموس مشرب بتوظيفات تلك
المفردة، رغم انه في مكان آخر من تقديمه الشيق يشير الى
اسباب ذلك الاستخدام قائلا: " ... إن انغماسه (انغماس "الالوسي"
خ.س.) في موضوع القوس المعمارية انما هو ضرب من البحث في
دخيلة النفس، وتغلغل في أعماق الذاكرة الجمعية- انه ضرب من
العودة الى الجذور.". وتوافق معدة الكتاب "سلمى الدملوجي"
"جبرا" في هذة النقطة بالذات، وتكتب ايضا في الكتاب اياه،
من "إن هذه الافكار المرسومة تعترف بالحاجة الى التواصل في
العمارة العربية بهدف التوصل الى صيغة مترابطة متطورة
وجديدة.." وتضيف ".. والى هذا، فإن التحدى الاخير يكمن في
التوصل الى المحتوى الوظيفي والجمالي لتكوين معماري يبلغ
لغة ابداعية تطغي على تيار التماثل التكراري والتعابير
المستعارة المستخدمة في عمارة "المسطرة الهندسية". ويوميات
الألوسي البصرية شاهد على زمان ومسار بحثه وتنقيبه، عبر
الخط والشكل واللون والحجوم، عن لغة عربية جديدة." (ص11) .
ولكن مع هذا، مع قناعتنا بصوابية مثل تلك الاستنتاجات فإن
التساؤل المثير هنا، والمطلوب ايجاد جواب مقنع له يكمن
في-: لماذا القوس؟ لماذا هذه المفردة التكوينية تحديدا؟؛
وما مغزى ظهورها الفجائي والسريع في الحل التصميمي ابان
فترة زمنية محددة؟
ثمة اسباب عديدة نرى في تواءم ظهورها
بتزامن نادر، قد اسهمت في جعل استخدام القوس وتجلياته
المكرره في عمارة الالوسي، استخداماً مغريا ...و"حداثيا"
معا. وفي طبيعة ذلك الاستخدام المشوبة توصيفاته بالتعقيد
والتناقض ،يضاف اليه ايضاً رغبة المعمار الجامحة في التقصي
عن "ايقونة" بصرية لتأكيد ذاته المصممة؛ يمكن للمرء ان
يستشف منهما (اي من طبيعة الاستخدام والرغبة الجامحة)
بواعث تؤسس لاجوبة مقنعة لتلك التساؤلات المشروعة. ونرى ان
هذه البواعث كمنت في طبيعة عمل المعمار في مكتب "الاستشاري
العراقي"، وخصوصية فترة الستينات، وما رافقها من تغييرات
فكرية اثرت على الخطاب المعماري، وانعكاس ذلك في الممارسة
المعمارية العالمية ، ما افضى لظهور "نماذج"
تصميمية Paradigm
(بردمية، بلغة
رفعة الجادرجي) في مناطق جغرافية محددة قابلة بسهولة
للايحاء .. والاحتذاء ايضاً. وسنحاول إقتفاء، ولو باختصار
شديد، أثر جميع تلك الاسباب ونتائجها النافذة، المؤثرة في
تكريس ظاهرة حضور القوس بالحلول التصميمية في تجربة "معاذ"
المعمارية.
عندما ترك الالوسي مكتب "الاستشاري
العراقي" في سنة 1974، كانت مفردة "الفوس" وقتها
تشكل"علامة فارقة" للاعمال المنتجة بالمكتب. فشكل العقد
نصف الدائري امست المفردة الاثيرة الصائغة لواجهات المباني
ذات الوظائف المختلفة بدءا من دار سكن لعائلة واحدة الى
مبنى متعدد الطوابق او حتى لمجمع مبانٍ. لم يقتصر توظيف
القوس على الواجهات فقط، فقد كانت حاضرة بقوة ايضا في "انترير"
المباني المصممة. تارة نشاهدها معمولة بالآجر، واخرى
بالخرسانة او الخشب واحيانا ترسم هيئتها بالمعدن. ومفردة
القوس تستخدم بمقاسات مختلفة، لكن استخدامها دوما يتم
بتكرارات متنوعة وبكثافة ، يصل احيانا، حد "الضجيج"
البصري، لكنه "ضجيج" متعمد يراد منه تكريس "اميج" العلامة
الفارقة التى يتوق المكتب بها تمييز وتميّز مشاريعه.
من، ياترى، "اخترع" او بالاحرى "اعاد
اختراع" هذه المفردة التكوينية في المباني المصممة من قبل
المكتب، الذي انفرد بشكل لافت في توظيفاتها؟. يعزو الاستاذ
رفعة الجادرجي ظهورها في مشاريعه والاهتمام بها تصميميا
الى حديث عابر مع طبيب بغدادي- صديق له. (رفعة الجادرجي،
الاخيضر والقصر البلوري ، لندن 1991، ص. 186). لكننا نعرف
بان مشاريع المكتب تنجز وفق اسلوب "العمل الجماعي"Team
work
، الذي يشترك في انجازها معماريون عديديون
عملوا وقتذاك في المكتب بضمنهم بالطبع معاذ الالوسي. نعرف،
ايضا، بان توظيف مفردة القوس ظهرت بصورة بليغة و"فجائية"
في مشاريع اعدت بدءا من عام 1965؛ وبالتحديد ظهرت واضحة في
مجمع مختبرات الطب البيطري (1965)، وفي تصميم دار محمود
عثمان في الجادرية بالعام ذاته. قبل هذا التاريخ لم يكن
لها اي أثر ملحوظ في مختلف التصاميم المعدة من المكتب،
لافي مطلع الستينات، ولا طبعا، في مشاريع الخمسينات.
معروف، ايضاً، ان فترة الستينات (او
بالاصح نهابة الخمسينات- بداية الستينات) شهدت تحولات
عميقة في الذائقة الجمالية ، ما اثرت كثيرا في مسار عمارة
الحداثة، وما نجم عنه من إهتمام "مفاجئ" بنماذج العمارة
التاريخية. ثمة نزعة بدت واضحة وقتها في الخطاب المعماري
العالمي، نادت لاعادة الاعتبار الى "التاريخ"، بالضد من
عقود التجاهل والنفي اللذين طبعا مسار عمارة الحداثة
بطابع خاص. وهو ما دعى "غيديون" الى الاشارة اليه، كحدث
ثقافي مهم، في الاقتباس الذي اوردناه في مطلع دراستنا.
وتجلى هذا الاهتمام بظهور "نماذج تصميمية" تسعى وراء "
تواشج" ممتع وحتى مقنع، لكنه في كثير من الاحوال مثيرا
للاهتمام، بين اشكال المفردات التكوينية الماضوية مع قيم
نهج عمارة الحداثة. وكان لافتاً الظهور القوي لمفردات
الطرز التاريخية في صياغة عمارة مباني "مجمع مركز لنكولن "
في بدء الستينات بنيويورك، والذي حظيت تصاميمه باهتمام
مهني واسع جراء اشتراك احد اشهر معماري الحداثة، وهو
"فيليب جونسون" (1906-2005) في تصميم احدى بناياته
وهي "مسرح ولاية نيويورك" (1964) الحافلة لغتها التصميمية
بمفردات تكوينات الطرز التاريخية. لكن الحدث الاكثر وقعا
كان الحضور البليغ لمفردة "القوس" واستخدامها كموتيف اساسي
في معالجة واجهة مبنى "دار اوبرا متروبولتين" (1962) في
المجمع ذاته، المعمار: واليس هاريسون، اذ عّد ذلك الحضور
من قبل نقاد كثر، تتويجا لمقاربات فكرية "جديدة" بدأتها
دعوات خجولة لايلاء اهتمام اكثر للتاريخ في العملية
التصميمية. وفي وقت متزامن مع "صدمة" لنكولن الماضوية ،او
قبيلها بقليل، كان الخطاب المعماري البريطاني يرهص هو
الاخر بحدث تصميمي "مميز" و"جديد" لواحد من اشهر معماريي
الحداثة الانكليز وهو" السير باسيل سبنس" ( 1907-1976)
Basil Spence
في مشروعه "لجامعة ساسكس" (1959-63)
Sussex
في مقاطعة "بريتانيا" بانكلترة. والمفاجأة التصميمية، ايضا،
ذاتها: الاستخدامات الواسعة لمفردة القوس التاريخي كموضوعة
رئيسية في معالجات واجهات مباني الجامعة. (رغم ان كثر من
النقاد ربط بين ظهور "ساسكس" ومحاولة "لوكوربوزيه"
المفاجئة يومها، والمتعلقة في اسلوب معالجة عمارة "بيوت
ياؤول" Jaoul Houses
(1954-56)، في ضواحي العاصمة الفرنسية،
حيث تظهر الجدران الاجرية عارية تماما من دون معالجة ما،
مستخدما لتسقيف تلك البيوت اشكال أقبية خاصة تعرف "بالقبو
الكتالوني" معمولة بصبات خرسانية ذات وجه خشن. وحينها لم
يدرك البعض أهمية الحدث المجترح من قبل المعمار الشهير).
وبوجود تجارب معمارية آخرى، اشتغلت على "ثيمة" القوس
تصميمياً ، بضمنها بالطبع تجربة "فالتر غروبيوس" في
"القوس" المهيب لمدخل جامعة بغداد (1957-61)، فقد اكتمل
"تأثيث" المشهد المعماري العالمي بمفردات تكوينية "طازجة"
مع تهيئته تماما لممارسات تناصية
Intertextuality
عديدة،سوف يجريها معماريون عديديون في منتصف الستينات،
نشدوا التصادي مع جديد ذلك المشهد والاحتذاء به؛ إنطلاقاً
من قناعات لرؤية شائعة لدى العديد من المصممين بأهمية "التثاقف"
Acculturation
مع الآخر، وتبنيهم مقاربات جمالية ذات حساسية جديدة، تجد
إصول مرجعيتها دوماً في ثقافة وعمارة الغرب بامتياز. ولعل
هذا ما يفسر لنا "موجة" توظيف شكل القوس، لدى مصممين
عديدين عملوا في مناطق جغرافية واثنية متنوعة بضمنها
منطقتنا العربية وجدوا في هذه المفردة طاقة تعبيرية كبيرة،
بمقدورها ان تمزج النفعي مع الجمالي وان تستحضر بشكلها
البسيط والمميّز معاً "طفولة" العمارة التى مارستها
الانسانية وهي "تحبو" خطواتها الحضارية الاولى. ومثلما كان
استخدام مفردة القوس شائعا في العمارة الاسلامية، كانت
يوما ما تشكل "الموتيف" الرئيس في العمارة الرومانية، وفي
العمارة البيزنطية ايضا، كما يمكن ان ُترى في عمارة الهند
القديمة وفي الصين وطبعا في حضارة العراق القديم وبقية
مناطق العالم الاخرى. انها باختصار وليدة الفكر الانشائي
غير المحدد بمنطقة جغرافية، ولهذا فان شكلها يحمل رموزاً
عديدة.
وعودُ على بدء؛ فقد راهن الالوسي على هذه
المفردة التكوينية، مقدرا حمولاتها الدلالية المتنوعة:
الانشائية، والجمالية، والوظيفية، فضلا عن ما تكتنزه من
تعبيرية واضحة. وكان رهانه عليها مصيبا، ليس بذريعة ايحاء
غير منصف، بان نشاطه التصميمي هو محض امتداد لحلول
تكوينية تم الاشتغال عليها سابقا في مكتب "الاستشاري
العراقي". فمثلما كانت " القوس" حاضرة في تصاميم معماريين
آخرين، لم يجد الالوسي غضاضة مهنية في استخدامها لاحقا في
العديد من تصاميمه بعد ان ترك العمل في المكتب الاستشاري.
فالمهم لديه الآن ليس موضوعة القوس لذاتها، وانما كيفية
التعاطي معها فنياً وجمالياً؛ لاسيما وهو وجد في واقعة ترك
المكتب خيارات متاحة له لتنفيذ اطروحته الخاصة في هذا
المجال. هو الذي إعتبر تلك الواقعة بمثابة انعطافة هامة في
حياته المهنية، رغم ان بواعثها ظلت غامضة، لم يفصح عنها
بجلاء، محيلا احيانا، تبيان اسبايها الى الآخرين من دون
ان يتبنى تفسيرا محددا لها (انظر:مخطوطة درب العمارة). مع
ان رفعة الجادرجي يشير بوضوح عن سبب ترك " معاذ" للمكتب
"... لانه يريد ان يعمل شيئا لم تخطه يد رفعة من قبل، وهو
في المكتب لا مجال له لهذا." ويضيف الجادرجي في كتابه "
الاخيضر.." في انه ( اي "معاذ" خ.س.) مهما قام بعمل ومهما
حاول وأبدع، ومهما وصل من نتائج تصميمية كان يعتقد انها
بلغت مرحلة مهمة، إذا برفعة يأتي ويلقي نظرة خاطفة على
عمله فيحسنه ويطوره بجرة قلم... ما سبب له احباطا مهنيا".
(الاخيضر والقصر البلوري، ص. 328). وقد يكون الاستاذ
الجادرجي محقا في اطروحته هذه، رغم اننا نجدها متعالية
شيئا ما؛ لكننا ايضاً، نفترض ان نقيضها .. لا يخلو هو
الآخر من مصداقية. ولست املك اي دليل ملموس يقنع بجواز هذا
الافتراض، الا اني اعتقد ان هناك اكثر من دلالة مهنية
تسوغه. فعندما يدرك المعمار ان جهده المهني يصطدم مع
إستحقاقات منظومة تراتبية محض ادارية، قادرة على الغاء أو
تشويه اجتهاده التصميمي؛ يكون خيار ترك المكتب، هو الخيار
الوحيد والمتاح بالنسبة اليه. وقد حفظ لنا تاريخ
الممارسة المهنية حوادث كثيرة لوقائع ترك المعماريين لدور
الخبرة الاستشارية التى عملوا بها، عندما وجدوا انفسهم غير
قادرين على المساومة كثيراً فيما يخص قناعاتهم التصميمية،
او بدافع الطموح الشخصي. لنتذكر ان "لوكوربوزيه" انفصل
لاحقا عن استاذه " اوغست بيريه"، و"رايت" عن معلمه " لوي
سوليفان" ، و"يورن اوتزن" عن "الفار آلتو" و" الفار سيزا"
عن " يورن اوتزن" و"روبرت فنتوري" عن "لويس كان" و"خوسيه
لويس سيرت" عن "لوكوربوزيه" و"زهاء حديد" عن " ريم كولهاس"
وفليب جونسون" عن " ميس فان دير رو" و"مارسيل بروير" عن
فالتر غروبيوس" و" اوسكار نيماير" عن "لويسيو كوستا" وو..
ومهما يكن من امر، فنحن ازاء واقعة
تاريخية، ليس بحكم أهميتها، فذلك متروك لتقييمات نقدية،
ولكن بمفهومها التاريخاني، وهي واقعة تأسيس "معاذ" لنفسه
مع معماريين اخرين مكتب جديد باسم " الدراسات الفنية" في
بيروت/ لبنان ، والذي اضطلع لاحقا باعداد تصاميم مشاريع
عديدة، كادت ان تكون مفردة القوس، التى اسهبنا كثيرا في
الحديث عنها وعن أهميتها في منجز المعمار، لازمة تكوينية،
مانحة في الوقت عينه، مجمل قراراته التصميمية خصوصية
مميزة، انعكست نتائجها في عمارة مشاريع متنوعة في وظائفها،
ومختلفة في مقاساتها وحجومها، ومتباينة في مواقعها
الجغرافية.
صمم معاذ في النصف الثاني من السبيعينات
عددا من مباني السفارات التى تعود ملكيتها الى دول عربية
ومخصص تشييدها في دول عربية ايضا. مثل السفارة
الكويتية(1979) في البحرين، وسفارة قطر (1976) بسلطنة
عمان، وسفارة الامارات (1979) في عُمان ايضا.
في عمارة تلك السفارات يسقط المعمار من
اهتمامه التصميمي ضرورة تقصي سمات محلية لمبانيه المصممة،
بسبب تشابه المرجعية الثقافية لتلك الدول وتماثل خصوصية
المكان، ما حدا به ان يميل نحو ابراز المشترك، الجامع
لمكونات تلك الثقافة. من هنا بدا اللجوء الى استخدام القوس
وتجلياته الفورماتية حلاً مقنعاً وحكيما في آن. في سفارة
الامارات بعمان، تظهر القوس وكأنها المفردة الناظمة
"لنسيج" جميع احياز المبنى، والصائغة لموضوعة جماليات
واجهاته. ثمة روقان معقودان بقبو
Vaulted
عاليان،
وموقعان على جانبي كتلة السفارة، يحصران سبعة عقود اخرى
اقل ارتفاعا، هي بالواقع كناية عن واجهة المبنى الرئيسية
المتشكلة مفرداتها من حركة ايقاعية احتفالية، يتناوب فيها
فراغ العقد مع سطوح الجدار الصماء. استطاع المعمار بمهارة
ان يوزع جميع فراغاته في الكتلة الممتدة المحصورة بين ذينك
الرواقين، الذينّ هما في الحقيقة ممران/ شارعان يوصلان الى
جميع احياز السفارة. استعان المصمم، بصورة لافته، بمنظومة
الفناءات الوسطية، لحل اشكالية الانارة والتهوية،
واستخدمها ايضا بدافع ضرورات الفصل والوصل بين طبيعة
وخصوصية فراغات السفارة المصممة ، فضلا عن توقه الشديد في
تأكيد اهمية تلك المنظومة التكوينية لاستحضار"روح المكان"
جراء حمولاتها الرمزية، كونها المفردة الشائعة والاثيرة في
تطبيقات العمارة الاسلامية. وتعطي اللغة المعمارية
المتقشفة المستخدمة في صياغة عمارة المبنى ومفرداتها
القليلة المقننة، بالاضافة الى تفعيل التعارض الناشئ بين
أفقية تجزئة الفراغات الوظيفية المتنوعة، مع المعالجة
الرأسية المختزلة لسطوح الواجهات، تعطي مبناه مزيداً من
الاحساس برصانة العمارة المصممة وتكسبها كثير من الصرحية.
تبدو عمارة مبنى (آيا) المتعدد الطوابق
(1989-90) في البتاويين ببغداد، بخلوها الواضح من "لازمة"
المعمار التصميمية: القوس ومشتقاته، وكأنها تمرين تصميمي
شخصي، يراد منه اختبار مقدرة المعمار لنفسه في الاشتغال
على تنويعات لغته التصميمية. ثمة شعور موارب، كنت احس به
دائما عندما امرّ بجنب المبنى، مبعثه طبيعة الاشارات
مزدوجة المعنى التى ترسلها عمارته، انها تجمع بين نزعة
تكريس النظام والاخلال به، بين وضوح القرارات التصميمية
وغموض تنطيقها، بين رصانة كتل المبنى والنزعة التهكمية في
التفاصيل، بين توق تبيان الانتماء الى الحداثة وتقليدية
المرئي المتحصل. كنت دائما اتساءل، كيف قدّر للمعمار ان
يجمع مثل تلكم النقائض؟ النقائض، التى يتعين القول انها
أغنت عمارة المبنى، وجعلت منه منشأً مثيرا للاهتمام، من
الصعب تجاهله بصرياً، كما من غير السهل عدم ملاحظة اختلافه
عن باقي شواهد سياق البيئة المبنية.
فالمبنى وإن بدا كلاسيكياً غارقا في
محافظته وتقليديته، الا انه بعيد جداً عن اعطاء المتلقي
انطباعاً لمبنى عتيق. ذلك لان اسلوب رسم فتحات النوافذ
وطريقة توزيعها في واجهات المبنى ذات السطوح الاجرية
الصماء، وإجراءات "الحفر" المفاجئة التى تخلق فتحات ذات
اشكال حداثية مميزة، ومطعمة بعناصر تزيينية، تبدو وكأنها
تؤدي وظيفة إنشائية. فضلا على الحضور القوي للتفاصيل
الاجرية في الاركان وفي مستوى الطنف العلوي، واساليب
استخداماتها غير التقليدية، كل ذلك يشي الى الاشارات
المزدوجة التى تكلمنا عنها، والى التذكير باننا ازاء مبنى
معاصر يطمح ان يكون منتميا لمكانه.
يتوق المعمار في اصطفائه لاسلوب معالجة
كتلة مبناه الى تذكيرنا بقرار "التقسيمات الثلاثية" التى
سادت يوما ما عمارة الابنية المتعددة الطوابق، والتى
اشاعتها "مدرسة شيكاغو" المعمارية العقلانية في الربع
الاخير من القرن التاسع عشر، وباتت منذاك، احدى "لوازم"
العمارة الوظيفية. فـ"لويس سوليفان"، مبتكر تلك الثلاثية،
يحضر ببلاغة في عمارة (ايا) ، ليس تمثيلا للوظيفية التى
التحم عنوانها مع اسمه، وانما بصفته موحيا لقيمة جمالية
ومصدرا لتنوع المعالجات الواجهية. إن إجراءات تنطيق قسم
الطوابق الاولى، ومنطقة طوابق الجزء الوسطي، والنهايات
الخاتمة للتكوين الواجهاتي والغالقة لها، تتم من قبل
المعمار بنوع من التحديدات الواضحة المنفصلة عن جوارها
بشكل مبالغ، حتى يضمن المعمار الاحساس بحضور التمثيل
Representation
، او بالاحرى "وهم التمثيل" وفقا لاطروحة " بيتر
ايزنمان". فليس المعيار الوظيفي هو "الحاكم" هنا؛ وانما
النزوع نحو اكساب المبنى قيمة جمالية مؤثرة، متأسسة اصلا
على مبتكرات المنظومة الثلاثية اياها. اي بعبارة آخرى
تطمح عمارة المبنى الى تكريس "رسالة" التمثيل ، اكثر بكثير
من ان تكون مهتمة "بمعناه". ومن هنا ايضا يمكن ايجاد
تفسيرلتلك الازاحات Displacements
المتقصدة
في المفهوم الوظيفي لجميع عناصر الاقسام الثلاثة المشكلة
لكتلة المبنى والصائغة لواجهاته؛ والتى سعى المعمار الى
تمويه وظائفها النفعية، زيادة في تكريس قيمة التمثيل لديه.
فتظهر الاعمدة الرافعة باشكال مميزة يوحي شكلها غير
التقليدي الى انفصال تام عن استحقاقات عملها الانشائي .
ولا ترمي فتحات النوافذ المبثوثة على سطح الجدار الآجري
المشغول بعناية وحرفية عالية الى التدليل لوجود نظام صارم
يهتم في توزيع الفراغات الواقعة خلفها، اذ ان نشرها
بالصيغة الصدفوية المتقصدة يراد منها النأي بعيدا عن صرامة
ترتيب التقسيمات الحيزية المعتادة في الابنية المتعددة
الطوابق. في حين حرص المعمارعلى معالجة "افريز" الجزء
العلوي من مبناه باشكال وحجوم ، تستحضر بها اشكال القفلات
البنائية الشائعة في بيوت الثلاثينات البغدادية!.
ثمة اهتمام واضح لدى المعمار في إظهار
اسلوب معالجاته التصميمية بصورة صادمة ومؤثرة. فجاءت
واجهات المبنى باشكال غير تقليدية مع تفاصيل معمارية
مغالية في نوعيتها وعددها، مركزاً على ما يكتنف عمارته من
دلالات رمزية تشي لمرجعيات مختلفة؛ ما جعل من مقاربته تلك
لتكون احدى المقاربات الجادة والهامة والمؤثرة في الخطاب
المعماري الحداثي العراقي وحتى الاقليمي. ثمة مرح اضافي
يضفيه المعمار على قرارته التصميمية التى تمكن بكفاءة ان
يجعل من واقعة معايشة الاضداد حدثاً تكوينياً منح صنيعه
المعماري مزيدا من التميّز والخصوصية. وفيما يتعلق بالنقطة
الاخيرة الخاصة باجتراح قرارات مرحة، سنعود اليها والى
تبيان اهميتها لاحقا في هذه الدراسة.
إشتغل معاذ الالوسي على موضوعة الدار
السكنية الشخصية التى مثلت عمارتها"مختبراً" لتجريب
الافكار التصميمية التى يتبناها. وفي عمارة تلك المباني
ذات المقياس المتواضع، تظهر عادة، النجاحات التصميمية
بصورة جلية، كما ان اخفاقاتها لايمكن التستر عليها او
تجاوزها. من هنا تضحى واقعة تصميم تلك البيوت بمثابة
مناسبة مواتية لعرض المعمار آهليته التصميمية ومقدرته
المهنية. من جانب آخر، اعتبرت دوماً موضوعة البيت السكني
من المواضيع الاثيرة لدى المعماريين العراقيين ، انها لا
تفتأ تمثل تقليدا تصميمياً يتعين على جميع المعماريين
ممارسته اولاً قبل الشروع بتصاميم مبانٍ ذات مضماين آخرى.
انها الموضوعة التصميمة القريبة جدا لقلوبهم، ويبدو ان
هذا التقليد يمتلك تاريخه الخاص السحيق في تلك البلاد.
وعندما "تمتزج " مهام المصمم مع رب العمل في شخص واحد،
تكون النتيجة مؤثرة وغير عادية. وهو ما جربه "معاذ" في
حالتين: الاولى عندما صمم لعائلته داراً سكنية في المنصور
ببغداد (1966)؛ والثانية بعد حوالي العقدين عندما شيد ايضا
لعائلته دار اخرى في منطقة الكريعات ببغداد (1985). <
اخبرني "معاذ" مؤخرا بانه صمم ونفذ دارا ثالثة له (2005)
في مكان اقامته الحالية في ليماسول بقبرص، لكني لم اطلع
بعد على تفاصيلها المعمارية>.
سبق وان تناولت تينك الدارتين البغداديتين
المصممتين من قبله، في مقالة خاصة نشرتها في مجلتنا
"عمارة"، التى معه، كنا نحن بعض المعماريين والمثقفين قد
أصدرناها ببغداد، ورأست تحريرها المعمارية وجدان نعمان (
انظر: مجلة عمارة ، العدد الثالث السنة 1989، ص72-75
بغداد /العراق)، لكنى هنا ساشير الى دار ثالثة لاحد
أصدقائه "الالوسيين" نفذها في منطقة المنصور في سنة 1986.
ينطوي اسلوب عمارة الدار التى نتكلم عنها،
على مزاوجة بين الحداثة والتقليد؛ وهي سمة كانت اساسية
ايضا في عمارة بيتيه الشخصيّين الآخرين. يلجأ المعمار الى
توظيف " الحوش الداخلي" لتشديد فكرة الانتماء وزيادة
احساسنا في أهمية المكان. لكنه بالطبع يتعاطى معه
بمعاصرة، يكشف عنها الارتفاع المزدوج ونوعية إطلالة الغرف
العلوية، واغلاقه من الاعلى بالكامل. ثمة تفاصيل عديدة في
الدار، تشي اشكالها الى ما بات مألوفاً وشائعا في الممارسة
المعمارية الحداثية. لكن "ضربة" التكوين المفاجئة كانت في
طريقة تناول المدخل، الذي تُرفع سقيفته بواسطة عمودين
مشغولين بالآجر تنم كتلتهما الى ضخامة متقصدة والى فورم
غريب يكرس نزعة التهكم في استخدامات مفردات العمارة
التقليدية. واذا اضفنا الى ذلك كله اسلوب معالجة الجدران
الاجرية العارية ذات الحس "البروتالي" بامتياز؛ فسنكون
ازاء ممارسة معمارية جديدة، تنزع لان تتساوق لغتها مع جديد
معجم العمارة العالمية. وهو اجتهاد وجدته شخصيا، انا
المناصر للحداثة المعمارية، جديرا بالاهتمام، ورحبت بظهوره
بمقالة طويلة نشرتها ،يومذاك، في احدى الصحف البغدادية.
كان واضحا ان معاذا يسعى وراء تثبيت
تكوينات عمارة ما بعد الحداثة في المشهد المعماري المحلي
عبر عمارة ذلك البيت "المنصوري". وكان اقتحامه للذائقة
الجمالية المألوفة سريعا ومباغتاً؛ ولهذا فان كثراً من
المعماريين لم يظهروا تعاطفا مع مقاربته، كما لم تحظَ
تجربته، على تواضع مقياسها، على اصداء ايجابية. واذكر ان
المعمار جعفر علاوي (1915-2005)، بعد ان إطلع على نصي
الطويل المنشور عن عمارة تلك الدارة، سارع بالتعليق
عليها، بلغته البغدادية الساخرة المحببة، في احدى زيارتي
له في بيته، الذي لايبعد كثيرا عن موقع تلك الدارة: <او
ليس من ثمة مبالغة، ياخالد؟ - خمسة أعمدة ؟ ... انهما محض
" دلكين"!!.> ، كناية عن استغرابه لطول مقالتي التى نشرت
على خمسة اعمدة صحفـيّة، مختزلاً عمارة البيت الجديد
بعمودين، سماهما "دلكين" وفقا للتعبير البغدادي الشائع
لمفهوم < العمود> !.
ومع هذا، مع أهمية الاختراقات الفورماتية
في "جدار" تقليدية عمارة الدار السكنية، فان المعمار في
دارة المنصور، كما في مبنيَه السكنيًين الآخريًين، لم يذهب
(لم يرغب؟) بعيداً في تغيير "اميج" البيت الذي استقر في
ذاكرة ساكنيه. ذلك لان التوزيع الفراغي لمكونات الدار حافظ
تقريباً على مألوفيته، ما انعكس على اسلوب تنطيق كتلته،
التي مافتئت ان ظلت اسيرة الحجوم الهندسية المنتظمة
المألوفة.
شارك مكتب معاذ الالوسي في المسابقة
الدولية لتصميم " جامع الدولة الكبير" في بغداد/ العراق
سنة 1982. ونال تصميمه حق المشاركة في المرحلة الاخيرة
منها، والتى اقتصرت على عدد محدد من المشاريع التى صممها
معماريون معروفون على نطاق واسع عالميا واقليميا بضمنهم
روبرت فنتوري، وريكاردو بوفيل وقحطان المدفعي ومحمد مكية
وغيرهم. لايسمح المجال هنا، بحكم طبيعة ومحدودية هذه
الدراسة، إجراء تقييمات نقدية مطولة لهذا الحدث التصميمي
الهام في مسار المعمار. لكن عدم الاشارة اليه والى لغته
التصميمية ولو باختصار سيكون امراً مجحفا في حق المعمار،
وتغييبا غير مبرر لتصميم اثارت عمارته كثيراً من النقاش.
اعتمد المعمار في مقاربته التصميمية
للمشروع على تكثيف وحضور مفردات اللغة التقليدية في بناء
المساجد التى درجت الاجيال المتعاقبة في الحفاظ على اسلوب
توزيع فضاءتها والتمسك في استخدام اشكالها الشائعة، متخليا
عن خيار حماسه التجديدي الذي لاحظناه في مشاريعه المتنوعة
الآخرى. هل كانت خصوصية موضوعة التصميم باعثا لذلك؟ ام ان
الرغبة في مسايرة الذائقة الجمعية المألوفة كانت سبباً
لها؟ في كلتا الحالتين، ارى ،كقارئ لعمارة المسجد اياه،
ثمة نزوعاً للتنصل عن الحداثة وقيمها. معتبرا ايضاً ان
قراره ذاك لا ينسجم مع طروحاته التصميمية السابقة، كما
اجده غير مقنع، لسبب بسيط لان تاريخ الابداع، والابداع
المعماري على وجه الخصوص، قائم على القطيعة، التى هي اصلا
اساس التغيير والتطورّ، ودونهما يبقى العمل الفني مكتفيا
بتعبير الاستمرارية "الاليفة" التى تتحول الى رتابة مملة
لا يمكن تحملها. يصعب عليّ كثيرا ان ارى معمارا مجتهداً
كمعاذ، يجعل من اجتهاده حالة مرتهنة او تابعة للاخر، حتى
ولو كان ذلك الآخر (تراثاً). فقد سأمنا حقا، تقييم فعل
الاجتهاد التصميمي كفعل من الدرجة الثانية، مهمته تكمن فقط
في الالتزام بتوليد عمارته من نصوص عمارة آخرى. واعيد
هنا، ما تساءلت عنه قبل اكثر من ربع قرن، في مقالة تناولت
فيها عمارة مسجد "معاذ" الكبير، هل حقا " ليس بالامكان
احسن مما كان؟". إن إحتفائنا بالجديد وتقبلنا بشكل او
بآخر، للقطيعة بمعناها الجمالي، ربما يجيبان عن ذلك
التساؤل. واعتقد ان "معاذاً، قد أجاب بكفاءة عنه في
مشروعين اجد ان لغتهما المعمارية وعناصرهما التكوينية تنضح
يناعة وحداثة؛ وهما "مسجد عائلة السلطان" (1975)في عمان،
و"مصلى العيد" في الامارات (1979).
في بدء الثمانينات حصل مكتب الدراسات
الفنية بادارة معاذ الالوسي على عرض الاشراف على مشروعي
تطوير منطقة الكرخ ببغداد(1981-82) ومشروع تطوير شارع حيفا
(1980-84). وهما مشروعان تخطيطيان ضخمان، ولهما أهمية خاصة
في الممارسة التخطيطية والمعمارية المحلية؛ وخصوصا المشروع
الاخيرالذي اضطلع المكتب( بالاشتراك مع مكتب آخر) في
ادارته والحفاظ على البيوت التقليدية في منطقته، وكذلك
وضع معايير تأثيث المناطق المفتوحة وتنسيق اعمال الخدمات
والاشراف الموقعي اليومي. بالاضافة الى تصميم الجزء السادس
منه، ( قـُسم المشروع الى سبع اجزاء، شاركت مكاتب استشارية
محلية وعالمية في اعداد تصاميمها )؛ وتضمن ذلك الجزء
تصميم مجمع شقق سكنية يسع الى 517 شقة مع اسواق ومرافق
عامة لها.
لا تقتصر الاهمية القصوى التى حُظي بها "
تطوير حيفا" على ضخامة الاعمال البنائية لوحدها، وانما
تنبع ايضا من نوعية المقاربات التصميمية التى تعاطت مع طيف
قضايا متشعبة منها مايخص قضايا التخطيط الحضري اواصطفاء
لغة معمارية مناسبة، والاهم شعبيا الجانب سوسيو- ثقافي
الذي يثيره حدث شق شارع جديد في بيئة تقليدية. ولعل
الجانب الاخير هو الذي جعل من قضية حيفا قضية سجالية
بامتياز.
وقرار شق شوارع جديدة وسط بيئة تقليدية كان
دائما قرارا مؤلما للكثيرين وغاصاً باحاسيس الوجع لهم،
لاقترانه بهدم البيئة المبنية وتغيير ملامحها و"محو"
ذاكرتها البصرية. ولاتزال عالقة في اذهان كثر واقعة اعمال
" البارون هوسمان" في تعمير باريس بمنتصف القرن التاسع
عشر، والتى ما برحت لحين الوقت الحاضر، تثير قدرا من الجدل
حولها، ففي حين يعتقد البعض انها جعلت من باريس نموذجاً
لمدن القرون القادمة، يراها البعض بمثابة "اعتداء" صارخ
على تراث المدينة وبيئتها المبنية. وفي غضون سبعة عقود
الاخيرة تقريبا كانت بيئة بغداد التقليدية تواجه هي الآخرى
"محنة" تبعات هذا القرار التخطيطي الجرئ. اذ عرفته اولا
عندما شـُق شارع الرشيد الحالي اثناء نشوب الحرب العالمية
الاولي، والمرة الثانية في الثلاثينات عند شق شارع غازي
(الكفاح حالياً)، والثالثة في عام 1957 عندما مدّ شارع
الملكة عالية (الجمهورية الان)، والاخيرة في بدء
الثمانينات في مشروع تطوير شارع حيفا. ورافق جميع حالات
تنفيذ ذلك القرار التخطيطي "مناحة" حقيقية، دخل عليها كثر
"أججوا" نارها لاعتبارات غير مهنية كثير منها غارق بـ "نوستالجية"
مفرطة؛ لايمكنها، في رأينا، ان تصمد كثيرا ازاء متطلبات
المدينة العصرية ودواعي التخطيط الحديث.
وايضا، وبسبب خصوصية هذه الدراسة، فاننا
هنا، لا يمكننا ان نسهب كثيرا في نقاش ومبررات ودوافع
ونتائج قرار مشروع تطوير شارع حيفا، ولكننا نشير بان
اجراءات تنفيذ ذلك القرار، اياً كانت دوافعه، جاءت متساوقة
مع خيرة المعايير الدولية الخاصة باعمال من هذا النوع، من
حيث الدراسات التمهيدية واساليب التوثيق وكفاءة التصميم
والتنفيذ. وتمت بمستوى مهني عال بفضل القائمين على ذلك
المشروع وبفضل دورالمعماريين منهم تحديدا. وبالطبع دور
معاذ الالوسي هنا مميزا، على وجه الخصوص، فلهم وحدهم
يعزو نجاح ذلك الانجاز التخطيطي والمعماري في الممارسة
المحلية، التى بها خطت بغداد خطوة هامة في ترسيخ صفاتها "المتروبوليتانية"
.
وبعد؛
يعرف الكثيرون "معاذا" ليس فقط معمارا
متميزا حسب، وانما ايضا فنانا تشكيلياً، له رؤاه الجمالية
الخاصة، كما انه مصور فوتوغرافي بارع، وهو بالاضافة الى
ذلك محب للثقافة ويسعى الى نشرها ولاسيما الثقافة
المعمارية، من خلال المؤتمرات المهنية او الثقافية التى
ساهم ويساهم بها، او من خلال جهده التعليمي السابق في
جامعات العراق. ويتعين القول بانه من اوائل الذين شجعوا
وساهموا شخصيا في اصدار دوريات معمارية متخصصة رغم ان فترة
صدورها لم تدم طويلاً؛ لكن حدثها ما انفك يعتبر امرا مؤثرا
ورائدا في مجال النشر المعماري العراقي والاقليمي، وهل
بالامكان التغاضي عن حدث مجلة " ننار" (1966)، الرصينة في
نصوصها والمرموقة في اخراجها؛ او تناسي اعداد مجلة "عمارة"
(1989)؟.
نعلم ايضاً، ان منجز معاذ الالوسي المعماري
متشعب، كما انه غزير، لكنه دائماً يثير قدراً واسعا من
السجال حوله، لجهة لغته المعمارية غير العادية وعناصر
اشكال تكويناته المترعة بحداثتها في آن، او الغارقة
بتقليديتها في آن آخر؛ الموظفة كلتاهما بمهارة في حلوله
التصميمية. ولهذا، وكما اشرنا في مطلع هذه الدراسة، فان
عمارته كانت على الدوام حافلة بالتضادات، التى من خلالها
استطاع المعمار ان يجدل فيما بينها ليقدم لنا منجزاً
ابداعياً شديد الثراء ومشوباً بتعبيرية مؤثرة. احيانا يبدي
المعمار ولعه في تكريس حضور التضادات اياها، بخلق معالجات
تصميمية لم نجد مسوغاً وظيفيا مباشرا لها؛ وانما تدين
بوجودها الى بواعث اخرى؛ بضمنها التهكم، المفضي لمرح
مقصود، ما يستحضر الى الذاكرة معنى حكيم، لمقولة يابانية
قديمة من"..ان الفنان الحقيقي قد يمّيز، باختلاف طفيف،
اعماله المنتجة وقت انهماكه في فنه، عن تلك الاعمال التى
يؤديها ابان استرخائه وقت فراغه. واذ يسعى وراء نظرته في
تحقيق منجزه الابداعي، يتساءل الاخرون، عما اذا كان الفنان
يعمل ام يلهو. بالنسبة اليه شخصيا: هو يجترح الاثنين
معاً"!... اما بالنسبة لنا، نحن متلقي ومستخدمي عمارته،
فهو فعلا يضعنا في موضع تساؤل دائم فيما اذا كان جاداً،
حقا، بما فيه الكفاية؟!. ففي كثير من مشاريعه "تتعايش"
جماليا قرارات تصميمية مبعثها الرصانة المهيبة تارة، مع
تلك التى تشير الى مرح مسلٍ تارة آخرى.
ان عمارته التى تولي إكتراثا زائدا بالقيمة
الجمالية، تظهر في نفس الوقت اهتماما عميقاً في تلبية
احتياجات شاغلي تلك العمارة. انها بشكل وبآخر انعكاس
لطبيعة شخصيته الودودة، الشخصية المحبة للغير، والمسكونة
بالجديد، والجاهزة للتعلم من الاخرين. فكما ان عمارته،
ولابأس من إشارة اخيرة، مترعة بالتضادات المثرية لمنجزه
التصميمي، هو ايضا يحمل فيوض "اثارها"؛ فهو "كرخي" ، ولو
انه ولد في الرصافة، وهو "بغدادي" قح، رغم ان لقبه ينتمي
الى قرية آلوس، وكان عليه ان يدرس الزراعة ليتخرج معمارا!؛
وهو مصاب بـ "وطان" شديد، مفعم بنوستالجية الى عراقه، مع
انه مابرح مقيم في قبرص. وهو مغيّب في بلده، لكنه حاضر
بقوة في الحياة الثقافية المحلية في مكان سكناه، وهو يفهم
التركية، مع انه مقيم في الجزء اليوناني من الجزيرة، ولا
تشي قطعا "لحيته" الكثة الى اية مرجعية دينية، رغم
مظهرها "الاكليريوسي" الوقور!.
لكن الامر الاكيد، والواضح غير القابل
للتأويل، من ان دراستنا هذه، هي ايماء احترام لعمارته، وله
شخصيا و.. لسبعينيته!.
□□
May,
2008
* معمار وأكاديمي/ مدرسة
العمارة/ الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون
المصادر
1-
يوميات بصرية لمعمار عربي معاذ الالوسي، اعداد وتصميم سلمى
سمر الدملوجي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،
1983.
2-
رفعة الجادرجي، الاخيضر والقصر البلوري، منشورات رياض
الريس، لندن ،1991.
3- S. Giedion Space,
Time & Architecture, Moscow, 1984, p.362, {Russian
Edition.)
4-
تطوير شارع حيفا، منشورات امانة بغداد ، بغداد
1981-1985.
5-
تطوير الكرخ، امانة العاصمة، بغداد، 1982.
6-
معاذ
الالوسي "درب العمارة" مخطوطة ، قبرص، 2007.
7-
مجلة "عمارة" العدد الثالث السنة
1989، بغداد / العراق
|