لعل صدور كتاب ( اللون حضارة ) للناقد التشكيلي الدكتور ( فائز
يعقوب الحمداني ) , يشكل إلتفاتة معرفية لطرح
رؤى الفنانيين العالميين ومشغولياتهم ,
وعلاقاتهم بمستوى الأرخنة فيما هم عليه من
حراك عام وخاص , حيث جاء متن الكتاب على
إستعراض مستويات طبيعة إشتغال أ ُولئك
الفنانيين , ومن ثم دراستها تحليلا ً وكشفا ً
. وما يسنده في ذلك ما توفرعليه الكتاب من
نماذج للوحات كل فنان . ولو أننا نأخذ على دار
النشر إغفالها لطبيعة المطبوع الذي يتعامل
إضافة إلى الخطوط والكتل , فإنها ذات صلة
باللون . فكان الأجدر طبع اللوحات بألوانها
الأصلية , لا تركها بالأسود والأبيض , حيث
ضاعت متعة القاريء الباحث عن الكمال والوقوف
على دلالة اللون في تجسيد الظواهر والحالات
الإنسانية , لأنها مع كل مكونات اللوحة تشكل
وحدة سردية تشكيلية . فحين يتصل اللون مجردا
ً وعموما ً ومتخصصا ً بجهد إنساني كبير هو ــ
الحضارة ــ , فإنه دال على إختيار لثيمة
فلسفية فكرية كي تكون ثريا لمجموع المباحث
التي ضمها الكتاب , ذلك لأن مجمل الدراسات
المركزة والمكثفة أتت على اللون كأساس . ومن
هذا المنطلق كانت الصلة مبنية على منطق
الإبتهاج والإشراق والزهو . فاللون عاكس
للبهجة , وضامن للإستقرار والطمأنينة النابعين
من الإتصال مع الحياة , والنزوع إلى المحافظة
عليها , ومحاولة تطويرها . من هذا يكون مركز
اللون نفسيا ً مرتبط مع البهجة التي تؤسس
المنطق الذي ينبغي أن تكون عليه الحياة . وهذا
يقود إلى البحث عن الآلية التي تتوافر على جهد
التحقيق لا الإدعاء الفضفاض . إن إرتباط اللون
بالحضارة , يعني من مجمل ما يعنيه ؛ هو
العلاقة مع الرؤى الكامنة في النفس الإنسانية
, والباحثة في كل دأبها عن الأساليب الشفافة
التي ترتبط بالروح في أشد مستوياتها تألقا ً
وزهوا ً . لذا أقرأ العنوان هنا في كونه ردا ً
حازما ً على قبح الحياة التي نعيشها ,
ومحاولـــة البحث عما يؤنقها ويرتقي بها . فــ
(اللون حضــارة ) رد على ( الظلام تخلف ) إذا
ما أخذنا بنظر الإعتبار التناظر في الكون .
فحين وصف الرب الكون لم يقل إلا ّ .. كان
الكون عماء وظلام . ثم إبتدأ التشقق الذي
أحدثه النور بلونه الصافي والمثير لجدران
الظلام ( السود ) الذي يقود إلى الموت البطيء
, بسبب إرتباطه بإحتضار وموت عناصر الحياة .
وما تلا فعل هذا التشقق من بهجة الألوان
وإتحادات المياه مع إختلاف درجة عذوبتها , كان
اللون أساسا ً, فهو متشكل أ ُسطوري يماثل
علاقة الألوان والخطوط والإنحناءات والكتل
بمنطق الأسطورة , لأنه يحيل إلى ماهو ضمن
التشكل الداخلي في لوحة الكون وليس في خارجه .
وكذلك تفعل اللوحة , بسبب كونيتها في التشكل
. ولعل التأكيد على بهجة اللون , دليل على
جـُهد الفنانين أ ُولئك الذين أشّروا عبر
لوحاتهم عن واقعهم المرير والمفرح , كما عبر
فنانونا عما يدور في فلك الحياة زمنئذ ٍ . لقد
أكد المؤلف وهو بصدد ربط اللون بالحضارة إلى
تأكيد قول الرسام ( ديلاكروا) من أن عمل
الرسام بدون تلوين هو إيضاح وليس رسم . إذا
كان القصد عملا ً غير النقش . فاللون بالتحديد
هو الأساس الجوهري للرسم , وهو يعطي مظهر
الحياة 0( ص35)
إن السياحة في كتاب ( اللون حضارة ) , ينبغي أن تكون مماثلة
لما آل إليها الناقد , الذي وضعنا أمام تجارب
متباينة في رؤاها وآلياتها ونظرتها الفلسفية
للحياة , لكنها لا تتقاطع في نظرتها إلى دور
ووظيفة الفن في الحياة . إننا بأزاء مشهد في
مجموعة مشاهد زاخرة بالتجارب , إستطاع الناقد
أن يعكسها بكثافة متميزة معتمدا ً البرقيات
النقدية والآلية الكاشفة عن الخصائص الذاتية
لكل فنان عبر لوحاته . كما وأن توفر اللوحات
أسهم في الإستعانة بقراءتنا التي هي بالتأكيد
تضيف شيئا ً من الرؤى التي توفر عليها الكتاب
. ولعلي كنت وما زلت من الحريصين على تتبع ما
يحرره الدكتور ( الحمداني ) في صحيفة ( الأديب
) , وهذا ما ماأسهم في ملء الفراغ الحاصل من
إغفال اللون على اللوحات داخل المطبوع , إي
إعتمادي على إنطباعاتي في الذاكرة .
ففي تناوله فن ( الهايبرالية ) وهو فن الواقعية التي تضخم
الواقع وتبالغ في تصويره . لذا فهي توجهات
معنية بالواقع عبر الإستعاضة عنه بما يشبه
المسوخ وهو عالم أكده المؤلف أنه عالم إفتراضي
, وهذا شأن الإبداع في الفن , في كونه يحقق
الرؤية التي عليها المبدع , فيما هي محققة
لنظرات الآخر الذي يتواءم مع ما يبصر ويشاهد
ويتفحص . أو كما قال عنها ( أمبرتو إيكو )
الكذبة الموثوق بها . وهنا يعني الصلة التي
يقيمها الفن مع الآخـر , عبر التداول المستمر
, بمعنى إقامة جسور العلاقة بين الفن والمشاهد
الذي يؤوم قاعات العرض طواعية .
لقد أكد الناقد هنا وهو بصدد توضيح مثل هذه التوجهات في الفن
التشكيلي وفن التصوير الفوتغرافي ؛ في كونه
يخلق واقع غير موجود من خلال إستخدام الإشارات
المستلة من الواقع حصرا ً . ولعل الفنان
الأسترالي ( رون ميوك ) الذي أخذه الناقد
مثالا ً لمثل هذا التوجه , إستنادا ً على رؤية
الفنان نفسه للواقع الذي يصفه بفاقد الإثارة
وبالتالي أفقدنا الإثارة أيضا ً . وهذا سببه
فقداننا الإحساس بجمالية الحياة . ويرجع السبب
في ذلك إلى سلطة الآلة الصناعية , والعلاقات
التي تبتكرها آلية الصناعة وما تخلقه من
منظومات فكرية تطغي على رهافة أحساسنا
بالجمال . وهو فعلا ً عمل صادم كما وصفه
النقاد . فالناظر إلى لوحة الفتاة وجسد الرجل
العاري , التي تشكل بالنسبة لجسده مفارقة
نسبية دالة . إضافة إلى ماجسده الفنان عبر
نظرتي الفتاة والرجل من بـُعد رؤيوي يشي بما
هو خارج الصورة . فعلى الرغم من ضخامة الجسد
وإكتماله , إلا ّ أنه يشيرإلى رؤية بالنسبة
للفتاة وهو أمر يؤكد صورة مثيرة , ليس
بشكلها الظاهر , وإنما من خلال ماتضمره الفتاة
من نظرات مسبقة . فالذي يحصل في الصورة هو
حوار صامت تشي به مكونات ظاهرة وخفية في آن
واحد . وكذلك الصورتين للرأس المغمض العينين ,
والمشير إلى ما تتوصل إليه المشاهدة في
علاقتها بالمكون الداخلي للمشاهد , أما الثاني
فإن المفارقة بين نظرة الشكل للصبي , ونظرة
المرأة والرجل , كذلك في دلالة الشباك المفتوح
في القاعة . المفارقة توحي بالحرية المفقودة
عند الصبي , تقابلها الحرية عند النموذجين
مركزة في الدخول . لكن الإشارة تؤكد على
التماهي والخدعة البصرية بدلالة الفقدان عند
الطرفين .
فيما أشار إلى أن الفنان ( فابيو ماريا ليناري ) وهو إيطالي ؛
في كونه ذو أ ُسلوب تعبيري ذ و سطوة لونية
تتلاشى معها حدود الأشكال المتضمنة في العمل
ــ على حد قول الناقد ــ . إن التعبيرية شكـّل
اللون واحدة من الوحدات المهمة والأساسية في
اللوحة . لذا فالناقد أكد على علاقة اللون
بلوحات الفنان هنا , إنطلاقا ً من العلاقة
المضطربة بالواقع , واقع المدينة وليلها الذي
يـُقشـّر الوعي ويبقي المرء منقطع الأنفاس
بأزاء جمود المدينة وقلبها البارد . ولعل
اللوحات أشارت إلى مثل هذا الإنطباع الذي يوحي
بعدم التوازن عبر إرتفاع الهياكل بعضها على
بعض , وضبابية الفضاءات , فيما تعبـّر لوحة
رقم ( 2 ) عن النسبة التي تشكلها إمتدادات
الهياكل أزاء الفضاء على العكس من لوحة رقم (
6 ) التي يطغي على كادرها الهياكل . كما تؤكد
لوحة رقم ( 5 ) على المفارقة بين الأشكال
القريبة والبعيدة . ولما كان اللون , وحدة
أساسية في اللوحة , لأنه ينقل المشاهد من
منطقة معرفية ورؤيوية إلى أ ُخرى , بمعنى لا
يكتفي بما يوحيه في سطح اللوحة وداخلها ,
,وإنما يحيل إلى خارجها , وذلك بإتصاله مع
مجموعة علاقات تعطي معاني متعددة , فهو هنا
بمثابة الشفرة التي تنبيء بمفاهيم أ ُخرى .
وبذلك فهو يوسع دائرة المعنى في مجموعة علاقات
فنية ــ نصية . لذا فاللون ــ على حد تعبير
الناقد ــ في علاقته بالتجريد , فإن الثاني
يحرر طاقته من المحددات الشكلية المسبقة ,
إستنادا ً لمفهوم ( أينشتاين ) للطاقة . في
هذا حاول الدكتور ( فائز ) وهو في معرض بحثه
في لوحات
الفنان الكولومبي ( كارلوس جاكاناميخوي ) أن يوضح شدة الإلتباس
بين الفن والإنسان , الذي يوحي بالمفارقة
وتوفر الفراغ بين الطرفين , ذلك لأسباب كثيرة
منها علاقة الإنسان بالوجود المادي البحت وعدم
إعتماده على وعيه الخاص بالعالم . مما أضفى
إشكالية معرفية طغت في معظم ما طغت على
العلاقة بالفن حصرا ً . وهنا تكون محاولة
إزاحة مثل هذه الرؤى تتطلب حسب ما يراه منظري
التجريد الصفاء الروحي بالنسبة للمتلقي , وخلق
علاقة مباشرة بين اللون وبين الإحساس المجرد
لخلق حالات تبرير لمثل هذه العلاقات . وهنا
يضرب الناقد أمثلة يستنبطها من أعمال الفنان
المذكور , ومنها نظرته لقرص الشمس وما يوحيه
من دلالة . فالفنان يمكنه أن يجد علاقة
إيجابية بين اللون الأسود داخل اللوحة
ويعتبرها محطة إستراحة كما في إحدى لوحاته
التي درسها الناقد . كذلك نجدها في لوحات أ
ُخرى من خلال إيجاد علاقات جدلية بين الألوان
وتناغمها عبر إحداث نوع من السردية القائمة
على توفر السببية في العلاقة وتناغم التدرج
اللوني , حتى لو كان محدثا ً قطعا ً كما هو
اللون الأسود مع الأبيض مثلا ً,غير أن التجاوب
الهارموني يعطي مثل هذا الإنسجام الذي يضفي
على اللوحة بعامة تقبلا ً لما تحتويه من
إنعكاس لمعاني توحي بها كل مكونات اللوحة على
إختلاف المشاهدين . وفي أحدى اللوحات التي
عنونها ( لوحة رقم 4 ) نجد أن السطوع الذي
يضفيه على سطح اللوحة ومكوناتها يكون أشبه
بنور القمر الذي يكشف الزوايا بالرغم من
إنتشار مكونات اللون الأسود . ودلاتها السببية
.
إن ما أثار الفنان كما الأدباء والمبدعين بعامة ؛ هي العلاقة
القائمة بين الروح والمادة , متمثلة في علاقة
الروح بالجسد . سيما جسد المرأة وجلاله ,
ويشير الناقد في هذا الصدد إلى مثل هذا الحراك
الذي هو في ألأساس حراكا ً فكريا ً جماليا ً
مؤكدا ً على أن ( أدوار مونيه ) جعل الفتاتين
العاريتين في اللوحة تنظران إلينا . وهو بذلك
أنزلها من عرش الأنثى المقدس بمحاورتها
للمتلقي عبر الجسد والروح معا ً . وهــــــو
بذلك أعطى لنموذجه الأ ُنثوي قدسية
أ ُخرى متحركة ونامية متشكلة من رؤية المشاهد لها على قماش
اللوحة وعدم إبقاءها محنطة داخل اللوحة .
بمعنى أحدث تجاوبا ً بهذا الإنزياح الرؤيوي ,
على العكس من الفنان الكلاسيكي الذي تكون
نساؤه خالدة وعلوية . وهـــــذا يتجسد من
طبيعة الممارسة التي تجريها النماذج
الأ ُنثوية داخل اللوحة عند كلا الإتجاهين , وما تؤل إليه
العلاقة ودلالتها التي تبشر بأفعال سردية
خالصة تعطي مفهوما ً حياتيا ً ودرسا ً في ما
تعنيه القدسية للجسد الأ ُنثوي , وكذلك تجديد
النظرة لهذا الكائن الذي يوحي بالممكنات
واللاممكنات بالتعبير السايكولوجي
والإنثربولوجي وحتى المثيولوجي . وهنا إتخذ من
الفنانة الإنكليزية ( ستيفاني روو ) مثلا ً في
التعبير , ومن لوحاتها أ نموذجا ً للتطبيق .
وهذه الرؤية تطورت فـــــــي الغرب المعاصر
بإعتبارها تمثل نظرة متوازنة للجسد الأ ُنثوي
إعتبارا ً من مصممي الأزياء الذين ــ حسب
الناقد ــ أخذوا ينظرون إلى وظيفة الزي ليست
هي التغطية الأنيقة للجسد بقدرما هو الإظهار
الأنيق له . لذا فــ ( ستيفاني ) تؤمن بأن
الجسد هو خير من ينقل الرسائل , إنطلاقا ً من
إيمانها بأنه الوجه الدنيوي لروح المرأة , وأن
روح المرأة وجسدها كيان واحد . وهذا يحيل إلى
مفهوم أساسي في الوجود , كوننا لا نحتاج إلى
هذا الجسد الدنيوي وهويتلبس بالقدسية لكي نراه
كما يجب بعيدا ً عن دوافعنا الدنيوية , وإنما
علينا أن نرى كيف تعيش المرأة مع جسدها لنفهم
حقيقته وحقيقة الروح التي يمثلها . لقد لخص
الناقد رؤية ( ستيفاني ) ونظرتها للجسد
وعلاقته بالروح من خلال التأكيد على إيمانها
بقدرة هذا الجسد المقتصد في إيماءاته والمتحفظ
في ظهوره على أن يؤكد توحده مع إمتداده الروحي
. وقد أكدت اللوحات ألتي وفرها الكتاب وهي
ثلاثة نماذج لنساء , يطغي على أشكال وجودها
داخل اللوحة صفة التأمل بالجسد أولا ً من خلال
ما منحه من هيبة التأمل , سيما في ما هو خارج
الوجود فالأولى منشغلة وبإرتخاء فيما يوحي به
الذهن وما يؤكد ذلك إعتمادها على اليدين
فواحدة كانت قد إستندت عليها والأخرى أرختها
على الفخذ . وقد أسهمت الخطوط والظلال في
تجسيد مثل هذا المعنى . بينما الثانية أتاحت
للمرأة شدة إنشغالها بما هو مبصَر أسفل قدمها
على الرغم من نصف عريها , حيث لم يشكل مثل هذا
المشهد شيئا سوى نظرة التأمل هذه . في حين
كانت الثالثة قد أوحت بشدة محافظتها على
خزينها الأ ُنثوي من إعتبارات إجتماعية وأ
ُسرية فوضعت كفيها على منطقة حساسة بينما ضغطت
على قدميها على بعض , دليل وضعها النفسي وما
سببه لها إظهار قطع من جسدها كموديل . هذه
المتشكلات في اللوحات أظهرت بشكل قاطع رؤية (
ستيفاني ) على الرغم من محدودية النماذج .
لقد إعتمد الناقد وهو بصدد دراسة لوحات الفنانين , وما يحيطهم
من حراك فني وحضاري , على العنونة التي أسهمت
في تجلي المشهد عبر جعل العنوان بمثابة إيقونة
دالة , مستلهمة من روح البنية التي عليها
أفكار الفنان المتجسدة في مشهده التشكيلي ــ
اللوحة ــ , وبذلك إندرج العنوان ضمن آلية
الكشف وإستشرافات القراءة . وهي إشارات مدروسة
وإن صدرت بعفوية إنتاجية مستوعبة الخصائص
الذاتية والموضوعية , ودلالاتها تتركز في
شعريتها حصرا ً وإتخاذها ناصية الإختزال
الموحي الذي لعبت في تشكل بنيته الشعرية وليس
المنحى الدراسي فقط . فـ ( الهايبريالية ــ
نيويورك فتاة الليل ــ الجسد صوت الروح ــ
المدينة الفارغة ــ للحي فضاء الجسد ــ الطفل
الهارب من الجنة ــ للون جسد أعمق ) ؛ خير
مثال على ما نقول , لأننا نراها اكثر تعبيرا ً
وشدا ً للمتلقي بما توحيه من دلالة وموجه
للقراءة . ولعل عنوان مثال ( الذين نسيتهم
الآلهة ) ما يؤكد حسنا القرائي هذا , وهو
يتناول أعمال الفنان الدنماركي ( يان أيسمان )
ولنوجه قراءتنا إلى اللوحات االأربع فقط ,
بعيدا ً عما ذكره من ملاحظات عامة وخاصة . إن
العلاقة بين العنوان هنا ومحتوى اللوحة واضح
من خلال الجدلية التي إنبنت عليها اللوحة عبر
طبيعة العناصر التي إحتوتها القماشة من جهة ,
ومن خلال السردية التي تحكمت بالأفعال الموحية
ببعدها الفكري المحض . فلوحة ( الجدار الأسود
) ثمة مكان ينشطر إلى نسبة كبيرة من الظلام
غير الطاغي والضوء الذي يتداخل من مصدر يكشف
الأجزاء . الظل والضوء يندمجان في حركات هي
أقرب إلى الهندسية , بمعنى هنالك إيحاء بنظام
ما يتحكم بالمشهد خارج وجود النماذج التي هي
إمرأة تقابل رجلا ًوعلى عري جسدي , تسترهم
قطع من القماش . يفصل بينهما مربعات توحي
بتوفير قدرة على إجتيازها , لأن كل مايحيط بين
الكائنين هو محاولة الإقتراب من بعض في الجانب
الآخر القريب ثمة طفل يتخذ من أحد المربعات
مكانا ً لجلوسه . فإذا كان الإثنان يحتلان
مستطيلات لونية خمسة , فالطفل يحتل مثلها . إذ
نلاحظ أن المرأة قد إجتازت المربع ووقفت على
أعتاب الأبيض , بينما الرجل يضع نصف قدمه على
الأسود والآخـــر بنصفه على الأبــيض , بينما
الطفل يحتل الخــط الفاصل بين الأسود والأبيض
, وهذه إشارة على محنة بايلوجية إنجابية .
ولعل الإقتراب والحركت ذات البنية الإخصابية
دليل على تبدي الوجه الآخر لعلاقة الجسدين
إنتاجا ً . ( إستعملنا اللونين في الشرح
لتوفرهما في اللوحة حسب الطبع وليس اللون )
وثمة كوز ماء موضوع على مدرج يكشفه ضوء باهر .
المراة مطأطئة رأسها كأنها في حيرة من أمرها ,
أو أنها عاجزة عن الإجابة بينما الرجل يبسط
ساعديه مظهرا ً تساؤله . هذا المكون من حراك
وحيثيات في الخطوط والظلال والضوء تمنحان
المشاهدة حراكا ً قرائيا ً فالذين نستهم
الآلهة هم في حيرة من أمرهم في ما يخص العطاء
البايلوجي الذي يشكل سرالحياة وديمومتها
متمثلا ً بالطفل المرتقب . وما شكل المحتويات
سوى إجابة تنطوي على فقدان الإرادة , مما يوطد
العلاقة بين العنوان ومحتوى اللوحة آنف الذكر
عند الفنان . أما في لوحة ( أربعة توائم تتعبد
بركانا ً ) فهي لا تختلف في معناها عن الأولى
فالأجساد العارية التي تؤدي حركات تسلبها
إرادتها وتضعها في منتصف الفاصلة في الضياع
العام وهي تقدم آخر قربان للآلهة , فهي منسية
تماما ً بسبب تيهها . في ماتكون لوحة (
اللؤلؤة الزرقاء ) على كثافة من المفارقات
بين الرجل والمرأة وهما على إفتراق محيـّر
لهما . تكبل المرأة يديها في حجرها , وأقول
تكبل بسبب العلاقة بين حركة الكفين والساعدين
ورفع الرأس تضرعا ً للسماء . وهو طقس للعبادة
والتضرع إلى مكان الآلهة في الأعالي . وهو
معتقد متجذر في تأريخ البشرية في علاقة السماء
بالرب وعرشه . في حين نرى الرجل يشبك ساعديه
على ساقيه مطأطئا ً رأسه في يأس تام , وعلى
جانبهما جسد مسجى ملفوف في قماشة توحي بالكفن
. مع إنائين للماء ليس بعيدا ً عنهما . وثمة
فضاء مفتوح . هذه المكونات تضعنا أمام حالة
إنسانية خاصة , تشير إلى الحيرة بالنسبة
للكائنات المحبطة , مقيدة بسؤالها الأزلي في
الوجود , فهم منسيون فعلا ً . أما دلالة لوحة
( الحافـّة الذهبية ) وهو عنوان كنائي يمنح
المعنى الآخر خارج دائرة الإشارة المكنية هذه
. فالجسد العاري يحتل ثلث المسافة العمودية
فهو يجلس على منصة هي عبارة عن خط , في حين
يدلي بعمود إلى الأسفل يوحي بالقياس الذي
يتعمده النموذج للتعرف على مبلغ افتراقه ونأيه
عن الأرض . فمكانه دال على منفى جسدي قسري .
وهنا تتجلى علاقة العنوانات بالمحتوى , التي
تبدو إنتاجيا ً زاخرة بالبلاغة في التعبير .
ولعل خير ما يشغل المبدع هو المكان الذي قدم له الناقد فصلا ً
في علاقة المدن وأشكالها وهيئاتها وتأثيراتها
على الإنسان . فالمكان وكما ذكر هو الوجه
الآخـر للروح . وهذا القول يفتح الآفاق
للعلاقة مع المدن التي تبدو على وفق رؤية
الفنان وتجربته على تباين وإختلاف في البنية
الذاتية , سواء للمدينة أو النموذج , ذلك لأن
شكل المدينة في اللوحة هو إستبصار للرؤية
الذاتية الناتجة عن مجموعة متحكمات بالسلوك
والتأمل . إن ما يتجسد على قماش اللوحة , هي
مجموعة خطوط تجمع بين الظل والضوء , ومن مجموع
هذه العلامات الباهرة تتشكل الرؤية للمكان بكل
تفاصيله , إنطلاقا ً من العلاقة بين المكان
والروح , ومستوى تجاوبهما مع بعض , ودرجة
تناغمهما وإنجذابهما ونفورهما عن بعض . كل هذا
يثمثل في اللوحة بإعتبارها الآلية التي تشكل
الأداة عند الفنان . فالمدينة تغدو في هذا
أشبه بالحلم الزاخر بالتنافرات والإنجذابات ,
بالإطمئنان الذي يحي بالبقاء , والقلق الذي
يؤدي إلى النفور , وجميعها حالات إنسانية تشير
إليها اللوحة عبر الضربات اللونية , سيما
ضربات الفرشاة ذات الإيقاع الحاد , والتي هي
بديل عن الصرخة مثلا ً , كذلك تشكل المحتويات
ووجودها داخل المكان وسكونها كالأواني
والخزائن والطاولات وغيرها من محتويات المكان
فمدن ( غوستافو آكوستا ) مثلا ً أكثر دلالة
على الوحدة والوحشة وهذا ما تجسد في لوحاته
التي إحتوت (الجسور ــ المدرجات ــ المداخل ــ
الأ ُفق ) . إذ تبدو على معاني هذه الأشكال
الظاهرة أنها توحي بمعاني أ ُخرى لم تـُعلن ,
فلوحة الجسر إفتقدت لحيوية الإنسان , وكذلك لو
حة المدرجات والهياكل الضخمة . هذه الأشكال
للمدن تبدو على حالة من الوحشة بسبب السكون
الذي يلفها , والمقارنات التي تـُحدثها
الأبعاد الهندسية . ناهيك عن لوحة الشوارع
المتقاطعة ودلالة عمود الكهرباء الساقط على
الأرض . والعتمة التي تلف الكادر خلف الشارع .
ولعل الفنان ( دييغو ريفيرا ) يذكرنا بالفنانة المكسيكية (
فريدا كاهلو ) وعذاباتها النفسية , التي أعطت
لنماذجها صفة التأمل والإستبصار في ماهو موديل
, مستنبتة في اللوحة ما هو مضمر في قاع النفس
الإنسانية . والذي يذكرنا بها هو شدة إهتمام
الفنان ( دييغو ) وولعه بالأشياء والنماذج
البشرية , حيث يعكسها على ضخامة مبالغ بها .
إذ يؤكد الناقد على أن مرد هذا إلى حب الفنان
لإنسان هذه الأرض ونظرته له , فلوحاته تعكس
معاناة الإنسان وشدة حيرته في الوجود وهو
يمارس طقوسه اليومية التي تربطه بالحياة جدليا
ً .
وأعتقد أن محطتنا الأخيرة وليس الآخرة مع ما تناوله الناقد
بشأن الفنان الأمريكي ( أندروويث ) وواقعيته
الشعرية وخصوصياته اللونية . إذ يشير إلى أن
ألوانه باردة صحراوية . فلوحاته مفعمة بحالات
الإنتظار والتطلع والإنكشاف للطبيعة عبر إقامة
صلة معها . هذه الصلة مبنية على شعرية خالصة ,
فالطبيعة ملاذ روحي كما تبدو في اللوحات . ففي
لو حة ( الشتاء ) نجد النموذج يسبح في فيض
الرمال منحدرا ً بلذة فائقة بتدرج توحي به
الحركة داخل اللوحة التي تغادر سكونيتها .
بينما لوحة ( ريح البحر ) على درجة من الحلمية
والرومانسية , سيما في شفافية الستائر التي
تشبه نسيج العنكبوت رقة , تهدهدها ريح خفيفة
على إيقاع موسيقي أمام فضاء ينفتح أكثر على
النافذة . بينما لــ ( عالم كريسينا المتشبثة
بالأرض والمتطلعة إلى بيوتات تمارس حلما ً
آخاذا ً واضحا ً بعيدا ً عن الإستلاب والمحق .
إنها فضاءات تتخللها رؤى وأفعال دالة على
العلاقة المكينة بالحياة متمثلة بالخلاء
المنفتح وهي كما ذكر الناقد ... هذه الألوان
توصلنا إلى نصف الطريق في لوحة ريح الشتاء حيث
الإنتظار . ويؤكد على : أن هذا الفنان قد وجد
على أرضه التي ظل فيها وفيا ً لطقوسها وزمنه
الحقيقي . لقد جعلنا ( أندرو ويث ) نكتشف في
عالمه صورة لزماننا الذي أضعناه في رحلة
الحياة , ودلنا على طريق يربطنا به من خلال
إنتمائه الحقيقي للمكان ... وشعريته .
لقد كانت رحلة الدكتور ( فائز يعقوب الحمداني ) ناقدا ً وباحثا
ً مفيدة لنا . إكتشفنا ما توصلت إليه قراءتنا
, إذ بقي الأهم الذي لم ينكشف عنه الحجاب
أثناء القراءة بالتأكيد .