|
ان الاحتفاء بموضوع (مقهى المعقدين) و (ليالي الأنس)
تعتريه –احياناً- احاديث مجتزأة تتقارب وتتفاعل وتتمدد
وتتقلص حسب المعلومة وتفسير صاحبها وفهمه لمنطق معان
الاشياء في اشاراتها، وتميزها في التضمينات الابداعية وما
بدا آنذاك اشد جرأة واكثرها مغامرة في البوح، لذا اصبح من
الاهمية بمكان الحديث عن بعض المكنونات في افئدة
(المعقدين) بشكل رؤى ومعاناة لادباء ما كانوا يطمحون النشر
او الادلاء بابداعاتهم من على المنابر الرسمية لذا بقت
نتاجاتهم تدور وسط مرتادي ورواد واصدقاء مقهى: (المعقدين)
وكازينو: (ليالي الأنس) واكثرها ضاع وسط مشادات وسجالات
حادة تركت بعضها ممزقة على الطاولات أو تلفت بعد رمي
الحقائب اليدوية بدجلة.. وماتبقى منها وبمحض الصدف لاهتمام
(سلمان الاسود) بتلحين وغناء بعضها... للمعقدين حينذاك..
واذا ماتركنا (المعقد الاول) الشاعر: (عبدالامير الحصيري)
لدراسة أعمق من قبل اقرب اصدقاءه.. سيكون حديثنا عن
الشاعر: (وليد جمعة المشهداني) وهو الابرز في الاثارة
بطريقة تعامله مع اللغة الشعرية وصورها بابلغ الدلالات
متموجة بحيوية نهر قصيده... وحتى حين تتشتت فهي تشد الى
تشكيل فعال محسوس ومثير في آن واحد، وقد يكون لبعض قصائده
وقع آخر.. يدعونا لفهم ظاهرة: (التعقيد والمعقدين) آنذاك
بما تكتنزه من انفعال يعالج صور افكاره المختلفة المستوحاة
من تعقيد الحياة نفسها... ومن حضور للغة التفجير التي ميزت
الموجة الادونيسية...
(خذ هذا الكف
واستمطر شجر الدنا
وتحزب للطلقة
حين يكون القذف
وجهاً محجوب الرؤى
فيا وطناً في القلب
أعطيتك روحي
فاعطني الدرب
لكي تهدأ جروحي
للحب وللغبطة
شجر وسكوت
فأرسم في الطلقة
وطناً سيموت.)
وبعض صور القصائد تنقلنا الى اجواء المواقف السياسية
والفلسفية.. لتخلق متعة الموقف والدهشة والحضور الفكري
بتعابير مكثفة مختصرة وقوية، ففي قصيدة: (جلد السلحفاة)
يكون الايقاع بحضور الرؤية الخاصة، نثرية في شكلها تحمل
دفقات شحن شعرية دون التقيد بوزن او قافية فهي شعر حر قد
تختلف في طول اسطر صورها بما يتوافق والمضمون او الصورة:
(يحمل الحب
مراسيم غواية
والتماسات قبول
عندما يصبح وضعاً
قائماً... تعتاده
انت ياضداً
على كل اللوائح
انه يسقط في القلب حكاية
عن نهارات يصب التوق فيها لوعة التوق الرضيّة
وجسور اللغط الموتور تمتدّ الى المعشوق ليلاً
وتمدّ الشارع المكتظّ بالاشياء، حيث الذاكرة
ثم لا تقدر ان تدهس غير الكبرياء العابرة
*
انت مازلت غرير الخطو ياقلبي في هذي الدروب
فابتعد!
ليس لك الحبّ.. وجرّب لعبةً اخرى صغيرة
واندلق من دورق الصدد
وغامر ثم عد !
ومتى ماشئت ألتمّ على نفسي
وامسي صدفة
واداري عتعتات الشجن الناغر
بالسخرية الحمقاء مرة
وباسفار الصماخ الفذ في الحجرة
مرات أخر
عابراً درب الزمان الكهل
منفياً الى بقعة شمس مظلمة
حيث لا يقدر هذا الوجد أن يسرق مني
سلحفاتي الهرمة ! (1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كتبت عام 19م في الكوت.
ان التعبير الحر، هو النموذج الحي لما كان يعانيه جيل
كامل ويبدعه (المعقدون) في مقاهيهم البغدادية باشكال
نفسية- لاواعية، متمردة بالرغم من قساوة الغربة الممتلئة
بالوجد الحار والشاعر لايكتفي بممارسة لعبة الصياغة
البنيوية، بل بمضمونها التحريضي معبراً بذلك على وطأة
الحياة وثقل ما كان سائداً في ستينيات وسبعينيات القرن
الماضي... كما وان محاولة تأسيس مايميز وحدات وعناصر
القصيدة الشبيهة بالبيان الثوري للتمرد على ما كان سائداً:
(أخذ جرح الوطن مرة
وتعال هنا
وارسم جنح عصفورة
علينا
وكول الدنيا مشمورة
جناح هنا
وريش هنا
وخريطة مسودنة بحبنا
اللي ما شفناه
ولك كون الوطن ورده
لشتلها على جتافي
أخذ مني جفافي
وروح.. لا آني ولا انت
اخذني وروح بالسكته
ونصرخ.. والوطن ردّه.)
وحين يحاول (وليد جمعة) ان يغمس صورته الشعرية بعامية (الشوغات)
و (العشك).. (بتشمير الجراح).. و(ضياع السلاح) انما يجاهر
بوعي حلمه خاصةً (قبل وبعد) نكسة حزيران عام 1966م ثم وصول
حزب البعث ثانيةً لسلطة العراق عام 1968م وما اثخنه من
جراح الادباء والفنانين انما يشكلها بمهارة مؤسساً عوالم
قصيدته الشعبية بديناميكية فعالة لتكون في النهاية: (خيمة
بليل متغرب..):
حبيبي شال جنحاته
وشمرلي بليل شوغاته
وكال العشك شال وشاب
وطلعت إله شيباته
وبعد كل الحجي اساكت
لكيته مشمر اجراحه
قاتل وضايع اسلاحه
ولجن الكلب يحبيّب
طفل اشكر على اجتافي
تعال وصير يحبيّب
خيمة ليل متغرب
واكعد واجرح الدمعة
على جرح الوطن
متكلي منو مثلك
طك ونسى شوغاته.
ان اكثر الابداعات الادبية للمعقدين في مقهاهم انما كانت
تهدف بالدرجة الرئيسية الى محاولة الحوار الحر والمستفيض
حول علاقة الادب (الشعر بالذات) مع الفلسفة واللاوعي في
اسسه الايديولوجية والفنية ويذكر ان تلك الابداعات قد جسدت
وبشكل طبيعي مختلف المسارات متمثلة باشخاصها: عبدالقادر
الجنابي باتجاه (السريالية) وعبدالامير الحصيري..
(اللازوردية) في ذاكرة عزيز السيد جاسم وفاضل العزاوي
ووليد جمعة والطمهازي وخالد الشطري ومنقذ شريدة وشريف
الربيعي ونبيل ياسين وعلي الجبوري وفيصل لعيبي وجليل حيدر
وآخرين..!.. لابداع المنافي ذلك المصير المحتوم الذي أدركه
الشاعر وافصح عنه (محمد سعيد الصحاف) كقرار (عقائدي من
القيادة..الخ!!).. لذا كانت المواجهة صريحةً:
(في الطرقات الخلفية تتجول افعى
ولأني لن اشرب سماً ما
أو قل: ان اللحظة
مثل الصائبة الموتورة
لا، لن أتطامن بالكرسي
أو أصمت...
كي يتجاوزني المتحذلق
فحين يصير الحب فراشةً
ساكون الضوء
وحين يكون الحب الضوء
فلن اكون حتى النفس الممقوت
فراشة.
ومنتدى (المعقدين) او (ليالي الأنس) لم يشترطا بعد ذلك
على (معقديهم) مذهباً معيناً أو اتجاهاً بالذات، لذا
اختلفوا: (... تشاتموا وتباصقوا.. الخ) وتدخلت الشرطة
مرةً.. لكنهم سرعان ماعادوا للمعقدين كاسرى مصير... مطربين
على حكايات: (عباس البدري وحسين الحسيني وعادل كامل)
متلذذين بروايات: (القلعة الخامسة، ومخلوقات فاضل العزاوي)،
و (شقة في ابي نؤاس لبرهان الخطيب) و (اللعبة ليوسف
الصائغ).. ففي الوقت الذي كان فيه: عبدالامير الركابي يقرأ
فصلاً من مقابلته مع (عبدالخالق محجوب) سكرتير الحزب
الشيوعي السوداني اثناء زيارته لبغداد، كان نبيل ياسين
يقرأ من ديوانه: (البكاء على مسلة الاحزان) وليس بعيدا عنه
كان الطهمازي عبدالرحمن (يجلد الوشم) لعبدالرحمن مجيد
الربيعي في صحيفة التآخي، وعلي الجبوري يتمتم ترجمة لغوته:
(أنا أمضي عكس اتجاه الريح
والعواصف والمطر
متلذذاً عظيم الألم
دائماً
دائماً
دائماً..!)
ثم يلحق بها قراءةً لـ: (كفافي):
(اذا كنت قد خربت نفسك
في هذا الجزء القصّي من العالم
فستبقى خراباً أينما حللت..)
ووسط هذه الحيوية من القراءات المتنوعة.. يجري الثناء على
بائع بسطة الكتب الجديدة (قرب مكتبة المثنى).. بناي..
وجايجي المعقدين (ابراهيم) وخياط المجموعة (توفيق) وراعي
حوار: (الواقع والبديل في المسرح العراقي).. احمد فياض
المفرجي، واذا تمكنت ظروف تبلور الحداثة الادبية الجديدة
بمفهومها العصري في وحداتها والنوع والعموم والمنطق
والمعقول مما كان غير معروفاً في الادب الرسمي السائد صفة
في مفهومها العراقي بان تكون اناشيد ثورية لبعض اولئك
الشباب الاشداء الذين اندفعوا لاكثر بقاع الصراع الملتهبة:
(لبنان وكردستان العراق) لاستلهام دروس الكفاح المسلح
وبالتالي استشهادهم في خضم المعارك هناك امثال: (رياض
البكري ومعين النهر وعبدالجبار عبدالله وابراهيم زاير
وزهير علاوي ومحسن طليعة وشعبان كريم) مستفيدين مما شاعته
الموجة: (الجيفارية والكاستروية والدوبروية والقيادة
المركزية) باشخاصها الشجعان: (خالد احمد زكي واحمد الحلاق
وصالح العسكري وآخرين..) من فكر ثوري متمرد، وصار البعض
الاخر في الضد منهم حين تمكنت الخيبة منهم فانكفأوا على
انفسهم متمتمين وجدانية (رامبو):
(شبابيّ الخامل
كم انت مستعبد
برقة الحس
ضيعت أمامي
عهد الصبا بادا
ياليته عادا
ليحرق القلبا
قد قلت يانفسي
ازهدي
لا تتركي احداً يراك
لا تحلمي
لا
بصبابة.. عليا هناك..)
مختارين: (مركبه السكران) من: (اشراقاته) ملاذاً لهم،
وقليل استوعبتهم (الحاوية) الرسمية، فاستقاموا في
مستنقعات: الاذاعة والصحف والمراكز الثقافية بالخارج أو
مخبرين.. انبثوا في مختلف المجالات.. وعديدون اختاروا
اللجوء السياسي.. واكثرهم دراميةً. اولئك الذين ماتوا
كمداً في فنادق الدرجة العاشرة... او فقدوا نهائياً.. فهل
يعرف أحداً الى اين انتهى المطاف بالشاعر؛ (ابو سرحان)؟؟!
وماذا كتب قبل ان يودع اسرار هذا العالم البديع!! ففي
الوقت الذي بقى اخرون مرددين (كلشي صح) التهكمية وبقى صدى
صوت (سلمان الاسود) مرددا كلمات (وليد جمعة) بين
(المعقدين) و (ليالي الأنس):
كلشي صح.. كلشي زين
منهو اليكول أكو بطالة
بهذا الوطن إلا بنذالة
لو تحكمون بعدالة
ما بقى اي شىء شين
كلشي.. كلشي..
كلشي.. زين.. !)
بينما يحرص الاخرون ان يرددوا: (كلشي كلشي كلشي زين..)
كجوقة...! واذا ما صادف ان مرّ بعض (المريشون): (عبدالرحمن
مجيد الربيعي وعزيز السيد جاسم وسامي مهدي وطه البصري..)
يصبح الصمت لزاماً وان كانت من باب المصادفات و..
الاستعراضات..! وفي المساء اعتاد رواد (المعقدين) ان
ينتقلوا لمقهى (ليالي الأنس) اولى مقاه... ابي نؤاس (قرب
الجسر مباشرةً) حيث يلقون الحفاوة من خالهم: (موسى
العظيم).. (هله.. هله عيني.. هله بولد اختي.. هله.. ربع
العرق بـ120 فلس.. عرق ام كاترينا.. خلاصة تمر زهدي..!
صناعة بيت أصلي..) وبعد الساعة الحادية عشرة يصبح لزاماً
اكمال طقوس اليوم (بطلة) على ملهى (ليالي الافراح) حيث
(يرخي) حراس شباك التذاكر انضباطهم لامتلاء القاعة.. حيث
يختار (المعقدون) الزوايا المعتمة وقوفاً او جلوساً للارض
مهللين.. مبدين اقصى درجات التشجيع والاعجاب (بالتصفيق
والصفير).. بخالتهم... (لميعة توفيق) على اغنيتها:
(نيشان الخطوبة اليوم جابولي
محبس من ذهب وكلادة قدمولي
حبيبي اللي أوده
خطبني ووفه بوعدة
.... الخ !)
ومابين هذه الاغنية وغيرها كانت (لميعة..) تلهب حماسهم
بترحيبها: (هله.. هله.. هله بولد اختي..!) وهذه.. كانت لهم
افضل هوية ودعوة مجانية يحاججون بها حراس الملهى وشباك
التذاكر عن أهمية حضور: (ولد الاخت) وقربهم من (مصادر صنع
الفن) في الملهى نفسها...!
ولعل (ذروة دراما المعقدين) بعد شهرتها هو ماحصل للبعض
منهم في صيف عام 1973 حين داهمها: محافظ بغداد حينذاك (خيرالله
طلفاح) وزبانية الاخلاق المرافقة، حيث أمر بتمزيق سراويلهم
وصبغ ملابسهم وتشويه تسريحات شعرهم بحلاقة سريالية.. ودارت
بهم سيارة الشرطة المكشوفة اكثر شوارع بغداد وازقتها سعياً
لتطهيرها من (المخانيث)و.... (رسل الثقافات المستوردة..!)
.. ولم (يفك منهم الياخة) الا بعد ان اصلى شرف امهاتهم
واخواتهم ورجولتهم باقسى الشتائم والاوصاف.. وبعد ان دفع
له كل واحد منهم 15 ديناراً، هذه وغيرها كانت الحاضنة
لقصائد من نوع مباشر آخر فقصيدته (انا’ تأتي ثورة بصورها
ومنهجها المتخيل يدعونا فيها لتبنيها... كي تنتصر:
(انا في آخر الانباء كالثورة
أجىء على السهرة
وازعج نومك الوسنان
تعال اليوم يا انسان
تعال الان
ومزق صدفة الموت
أنا.. صوتي
وكل حرارة الموت
نجمع آخر الانباء
عن الاجداد والابناء
لكي نحتضن الثورة
لكي تنتصر الثورة
لكي لا تغدر الثورة.)
غير ان حساسية الشاعر لاتدعه ان يصمت او أن يصرفها بعيداً
عن التطهير المعرفي الابداعي أو يقصيها، لذا جاءت قصيدة:
(15 واحد)* حادة تنسجم والاوصاف العامة للشاعر وبكل ما
تجنح اليه لغته لفضح كل ما يخفيه النظام الاجتماعي من
رياء:
(للذي يسكب ماء الوجه فوق الصحف المستهلكة
للذي يسكت في وقت الظهيرة
للذي يصنع للاطفال حلوى
للذي قال لنا: لن ينتكس!!
للذي عانقها قبلي وبعدي
للذي يكرهني
للذي يعشق ظلّه
للذي يخجل ان يلثم في المرآة ظلّه
للذي يرسم لوحات عن النسوة في الرأس
ويشتمني سياسة
للذي يرعبه صوت رصاص في الجوار
ــــــــــــــــــــــــــ
أو: من وزير الداخلية، رئيس الوزراء
للذي ينبض في الصدر وقد يخذلني بعد ثلاثين دقيقة
للذي خان المناشير العتيقة
للذي يدلف مرحاض الرصانة
للذي علّمنا حب الكتب
للذي ينشر هذه الكلمات
عفطة
قبل صباح الخير حتى...)
ان الصور الشعرية المتدفقة في مختلف قصائد الشاعر: (جرح
الوطن)، (.. كال العشق شال وشاب وطلعت اله شيباته..) و (خذ
هذا الكف واستمطر شجر الدنا..) و (.. حين يكون القذف وجهاً
محجوب الرؤى) و (.. مزق صدفة الموت) و (.. حين يكون الحب
فراشةً ساكون الضوء، وحين يكون الحب الضوء فلن اكون حتى
النفس الممقوت فراشة..!) و (درب الزمان الكهل) و(.. بقعة
شمس مظلمة) و (سلحفاتي الهرمة) ... الخ!! انما يقدمها في
اغراض مختلفة، محكمة الصياغة غزيرة الدلالات والمعاني...
غير محدودة بابعاد... نسجت جراء ضغوطات نفسية لاشعورية
شديدة الوطأة.. تفجرت بشكل صدمات.. شتائم.. (عفطة)... ليست
نشازاً على الشروط الفنية اللازمة لبناء الصورة في
تناقضاتها وتضادها، غير الطبيعية، بل تكاملاً ضرورياً..
لأنه لم يكتف بانتقاء: (اجمل الكلمات) والتعابير بل
باستخدام (ابشعها) في التداول الشعبي، .. في الكلام
العادي:.. (عفطة) كمفردة تسخيف وتهكم بذيئة.. ينسجها في
القبول كشكل من اشكال الاحتجاج الذي يميز قاموس: (وليد
جمعة) الشعري.
|