|
إن الديمقراطية سلوك حضاري فردي يتطور ليصبح سلوك جماعي
كما هي الثقافة سلوك فردي ينمو ويتطور لينعكس ويصبح سلوك
جماعي وعنوان لأي مجتمع متحضر يمتهن الثقافة كتصرف حضاري
يومي يدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية لمجتمع يتوق إلى
التطور والانطلاق إلى الأمام نحو مستقبل زاهر.
إن المثقف الواعي ذو الفكر الحر في هذه المرحلة يحاول
اكتشاف وإيجاد مفاهيم وأنماط وأسس جديدة للثقافة والأدب
وهو في نفس الوقت يحاول إعادة تشكيل نفسه ونظام الثقافة
الذي عاث فيه النظام السابق فساداً من خلال أصهاره في
بوتقة أيديولوجيته ذات الصوت الواحد .أما المثقف الغير
واعي لضرورة المرحلة ومتطلباتها فتراه لا زال يعيش في
دواوين السلطة الجديدة وبين الأحزاب من خلال اندراجه في
وسائلهم الإعلامية (الجرائد المجلات الفضائيات ..الخ)
ودوائرهم الحزبية وبعناوين مختلفة إذا ما اعتبر إن الثقافة
هي الوظيفة الثانية للإنسان المثقف لأنها في عالمنا الذي
نعيشه لم ترتقي إلى مستوى المهنة .
كمل إن هناك الكثير من أصوات المثقفين والتي تعلو فقط في
الجرائد لتطالب بنظام ( ألكوته) وذلك بتخصيص لهم منصب سواء
في مجلس الحكم السابق أو البرلمان اللاحق ولا أعرف ما
السبب الذي يدعو لذلك الطلب الغير شرعي من الناحية
القانونية لأن على المثقف أن يؤمن بالحرية التي تمنحه الحق
في إبداء الرأي وصونه والتي يستطيع من خلال هذه الحرية أن
يرشح نفسه ويصل إلى هكذا أماكن وليعبر من بعد ذلك عما
يريده وتريده الشريحة التي رشحته لهذا المنصب .لا من خلال
استجداءه (المنصب)أو (الكرسي) من السياسيين القادمين من
خارج الحدود والمختلفين داخل الحزب الواحد حتى بدا الحزب
منقسم إلى اثنين ومن ثم إلى أربعة من أجل المناصب الموعودة
في اجتماع لبنان أبان الانتفاضة الشعبانية والتي راح فيها
الآلاف من الضحايا أو اجتماع لندن ومن ثم اجتماع صلاح
الدين .أما إذا لم يؤمن هذا المثقف بأن هذا الشعب هو الذي
يقرأ بعد أن تؤلف مصر وتطبع لبنان وبأنه متخلف بل ولا يرشح
حتى من قبل المثقفين أو الواعين لأهمية الثقافة ودورها في
قيادة المجتمع إذن ما الفائدة من إعطاءه منصب بالبرلمان
كعضو هل ليمثل نفسه أم من أجل أن يلحق بركب المقاولين ذو
المناقصات والمساطحات المليونية ويجب أن يعلم كل من يطالب
السياسيين الوطنيين وغير الوطنيين بمنصب بالدولة العراقية
الجديدة إن الحق يؤخذ ولا يعطى أو يوهب وهو مثبت بالدستور
في الباب الثاني (الحقوق والواجبات)
المثقف السياسي ....السياسي المثقف
هناك أكثر من (200)تعريف للثقافة ولكننا سوف نستند إلى
تعريف فيرث لأنه أقرب إلى الموضوع الذي يتم بحثه الآن حيث
يقول ( إذا نظرنا إلى المجتمع على إنه يمثل مجموعة من
أفراد فإن الثقافة طريقهم في الحياة وإذا اعتبرناه مجموعة
العلاقات الاجتماعية فأن الثقافة هي محتوى هذه العلاقات
وإذا كان المجتمع يهتم بالعنصر الإنساني وبتجمع الإفراد
والعلاقات المتبادلة بينهم فان الثقافة تعني بالمظاهر
التركيبية المادية واللامادية التي يتوارثها الناس
ويستخدمونها ويتناقلونها وللثقافة محتوى ينظم الأفعال
الإنسانية وهي من وجهة النظر الأخرى .سلوك متعلم أو مكتسب
اجتماعياً وهي حافز للفعل .إذن الثقافة هي المركبة التي
تحمل المثقف ليعوم به وسط البحار ولأكن بتوجيه المثقف نفسه
أما السياسة فإنها فن إدارة الصراع ولكن الصراع مع من
(الداخل أم الخارج) من أجل تحقيق المصالح العليا للبلد
والحكومة التي تكون الممثل لها وجزء منها وعندما يتبنى
أحدهما الآخر ليصهره ويخرج بثنائية السياسي والمثقف أو
المثقف والسياسي تطفو على سطح الواقع الاجتماعي إشكالية
أيهما الأولى بقيادة الأخر خاصة إذا ما أخذنا في نظر
الاعتبار إن هناك إشكالية قديمة في أبوة أي منهما الأخر
فالمثقف السياسي يعتبر نفسه الأب الشرعي والمرشد الأعلى
لقيادة المجتمع بالاتجاه الصحيح وذلك من خلال نشر ثقافة
التسامح والتآخي خاصة إذا ما علمنا إن المثقف في أغلب
الأحيان ليس لديه عنوان ديني معروف لدى الجميع لأنهم
لايهتمون بالعقيدة التي ينتمي إليها بقدر مايهتمون بما
يقول من خلال تشخيصه لأي خلل اجتماعي يراه أي انه يقوم
بدور الموجه للمجتمع وللسياسي .لأنه يأخذ على عاتقه اعتناق
لمبدأ الأصلح (غير مؤدلج) للمجتمع وخير مثال على ذلك ما
أنجبته الأمة العراقية من شخصيات تركت أثر بارز في المجتمع
وهي في غنى عن المنصب السياسي أمثال علي الوردي والأستاذ
الآلوسي وعبد الرزاق الحسني وجواد علي والأستاذ الدكتور
سيار الجميل والدكتور حيدر سعيد فهؤلاء مثقفين سياسيين
يقومون بوضع الحلول له وما على السياسي إلا أن يأخذ بوجهة
نظرهم لأن غايتهم الرئيسية هو الإصلاح في المجتمع وليس
غايات مادية أو نفعية يتوخون منها المناصب السياسية لكن
للأسف إن سياسيونا لا زالوا يعيشون في خمسينيات القرن
المنصرم حيث القرارات الفردية والنزعات الشخصية هي الغالبة
على تصرفاتهم .
لذلك يحاول ل المثقف الآن أن ينفظ عن نفسه وثقافته غبار
الماضي النتن ولبس الثقافة العراقية ونفسه لباس جديد من
حرية التعبير وخلق ثقافة جديدة حرة ومتنوعة يتوخى من
وراءها خلق مجتمع يؤمن بالرأي والرأي الآخر هي الطريقة
الصحيحة وكما إنه يؤمن بالتطور الذاتي والموضوعي وبأن
المفاهيم قابلة للتغيير والتجديد بل وتركها في أحيان أخرى
لأن عجلت الحياة تدور ومن غير المنطقي أن يبقي المثقف في
دائرة واحدة يدور حولها وحركة الثقافة العالمية في تطور
مستمر
أما السياسي المثقف فيعتبر نفسه هو الذي يسن القوانين
وينظم علاقة الأفراد مع بعضهم البعض وبين الدولة مع الدول
الأخرى لذلك يعتقد هذا السياسي من حقه بأبوة المثقف بل
بأبوة المجتمع ككل إلا إن ما يغيب عن ذهن السياسي هو أنه
مؤدلج بفكر الحزب الذي ينتمي إليه والذي ناضل أكثر من
عشرين سنة أو أكثر وهي أغلبها ثورية تؤمن بالعنف هو
السبيل الوحيد لتحقيق أهدافها والوصول إلى سدة الحكم
وبالنتيجة فهو يستخدم الثقافة ليفلسف منهج الحزب الذي
ينتمي إليه وينظر أفكاره ولكن بطريقة أدبية مفعمة
بالمصطلحات الثقافية والأدبية بل وذهبوا إلى أبعد من ذلك
من خلال جعل أدواة الحضارة الغير مادية من (الديمقراطية
.واللبرالية .والشفافية ...الخ )أدواة طيعة لتغيير الخطاب
المرئي والمسموع لدى تأديتهم الخطابات الرنانة بل صبغوا
أحزابهم بهذه الأسماء حتى أصبحت أسماء أحزابهم كلها تنتهي
بكلمة الديمقراطي ولكن في النظام الداخلي هم لايؤمنون بكل
تلك الأدوات التي تجعل من هذا الشعب حر يبدع وينتج ثقافة
وأدب بعيد عن دائرة الحزب الذي ينتمون إليه ولأن غاية كل
حزب هو الوصول الى السلطة بينما غاية كل مثقف هو نشر
الوعي بين أفراد المجتمع
|