مثل الفرعون بالحجم الطبيعي معتليا عرشه في جلال وكبرياء، بمثل تلك الجلسة المهيبة التي مثل بها (زيوس) زعيم الالهة الاغريقية في معبده في اولمبيا. في حين يبسط رمز الصقر العظيم (الاله حوريس) جناحيه محيطا بورتريت الملك الاله بجناحيه العظيمين. ويقول فيه (ول ديورنت) : ان الهيبة التي ترمز اليها ملامح خفرع تجعل المرء يحس انه بحضرة ملك، وان لم يكن يتزين بالتاج على رأسه.
ويتركب نظام صورة الملك، بمزاوجة او تعالق ما هو بشري بما هو الهي، حتى ان نظام الصورة يشتغل بمنطقة فوق واقعية (فوق بشرية). ذلك ان الالهي قد حل بقالب البشري، فاستحال الى دلالة الملك الرمزية، التي تؤشر الالهي وتلمح اليه تلميحا.
وتوضح نوعية الخطاب الرمزي الذي تبثه الاشكال النباتية على جانبي العرش باعتبارها علامات عرفية في الفهم الاجتماعي، على ان التتويج كان احتفاليا، ذلك تعالق زهرة البردي (رمز الدلتا) وزهرة اللوتس (رمز صعيد مصر) يؤكد مثل هذه التقابلات التعبيرية في قراءة نظام الدلالة، الكامن في مثل هذه الوحدات العلامية، التي تمتلك فعلها في عالم سوسيولوجيا الفن. فالفعل الابداعي للنحات هنا، يسعى الى التحرر من قيود المظهرية المباشرة والسطحية للظواهر، سعيا منه لتحقيق وجود حقيقي وابدي وجوهري.

وفي قراءة التجلي المحسوس للفكرة في نظام الانشاء للتكوين باعتباره تمثالا مزدوجا. فان تلاقح الافكار الرمزية، قد هبط بالسماوي ليشتغل بمنطقة الارضي. (ايه ايها الاله العظيم (حوريس) ما اعظمك، تطرز غيوم الشرق والغرب صدرك الرحب، والشمس والقمرعيناك). انه النداء نحو المطلق، وما اعظم ان ينال المطلق في حمايته قوة الارضي، فيخرج به من محدوديته حين يعرض ذاته في خصوصيته الى لا تعرف التحديد، وفي قراءة المعنى الدلالي لتعالق النظم العلامية، السماوية والارضية، حفراً الى العمق في البنية العميقة لتعديد وتعميق المعنى الدلالي في التشكيل حين تتعرف الروح على ذاتها.
وفي دراسة تحليلية تركيبية مقتضية لنظم العلاقات المكونة لتركيب نظام الصورة، فقد حل الالهي المتمثل بجلال الفكرة، في فتشية الخامة، التي تثير جو الورع الديني في روحية لونها الاسود البراق، وتشفّر عن الابدية في صلابتها كدلالة او معنى. ذلك انها تعرض للوعي الالهي المتقمص فيها. والمتضمن الابدية في صلابتها كدلالة او معنى كذلك انها تعرض للوعي الالهي المتقمص فيها والمتضمن تبلور القصدية بالبحث عن الجوهري المتخفي تحت زوائد البشري. فتقشفية الشكل وتعبيره المتجسد بالبناء الرياضي للتشريح، وهندسية الخطوط، تنتصب كأحجيات مطلوب ايجاد تفسير لها من قبل الاجيال على حد تعبير (هيكل).
وفي قراءة تزامنية لبنية الثقافة المصرية في زمانها ومكانها، يبدو انها لم تشهد الازاحات الفكرية الكبيرة والعميقة. ولذلك قادت انظمتها الفكرية العاملة ضمن دائرة البنية، الى ابداع ذات الاشكال المتماثلة التي امتلكت في صفتها الكلية خصوصية النظام كما اسلفنا. ومع ذلك فان هناك نوع من التنوعات تحت اطار النظام والتي لم تتناول الجوهر، وبقيت سطحية في خصوصياتها وتأويلاتها. فالرسامون الانطباعيون كلهم يحملون نفس المنهج الفكري والتقني، الا ان هناك مناطق تقنية يتنوع بها (بيساو) مثلا عن (كلودمونيه).

وتأسيسا على ذلك، فان عهد الدولة المصرية الوسطى، قد تميز بعدد من التماثيل الجميلة، اكثرها شهرة في تاريخ النحت تماثيل امنحمات وسنوسرت. وهي في انظمتها كاشكال تقع في ذات التركيب الذي عرضته تماثيل عصر الاهرام بصدد الفكرة التي يبثها التمثال كخطاب تشكيلي، وتجسد هذه الفكرة وايحاءاتها في قوالب الخامات، وخصوصيات الشكل الفنية. الا ان تمثيل ملامح البورتريت قد تحركت من سمات المثالية نحو سمات الواقعية، وكان شيئا من ذات الفنان، وقراءته للتجربة الخارجية قد حلت الان في عالم الفن. فغدت الوجوه قلقة فظة، بل وقاسية التعبير، وكانت في خير احوالها لا ترى الا حزينة غارقة في التأمل، وتأويل ذلك كتأسيس فكري، هو ان الفرعون اصبح لوقت قصير اقرب الى شعبه من قربه لعالم الالهة، انه عالم العدالة الاجتماعية الذي حّل في عصر الدولة الوسطى (السلالة 11-12).
وفي الوقت الذي نحتت به تماثيل الملوك في عصر الدولة الحديثة، بذات المنهج المثالي الذي تميزت الملوك من عصر الاهرام.
الا ان ملحقات التماثيل، تؤكد كأنظمة علامية الى نوع من الطابع البطولي الملحمي قد ميز تماثيل الملوك في هذه الفترة، بما تعلو رؤوسها من خوذ حربية، وما تمسكه الايدي من اشكال صولجانات المعارك. وذلك لدور فراعنة الدولة الحديثة في توسيع حدود الدولة المصرية، وتحويلها الى امبراطورية تضم اجزاء واسعة من افريقيا واسيا. واشهرها تماثيل الفرعون تحتمس الثالث الموزعة بين متحفي تورينو في ايطاليا والمتحف المصري بالقاهرة.
وهكذا قادت وحدة المركز وفاعليته، الى ان يبث قوى فكرية ضاغطة، قادت الى وحدة او نمطية الاسلوب في انظمة الاشكال التي تميز التماثيل الفرعونية، فقد بقي فن النحت وتقاليده، فنا دينيا وقدسيا يلتزم بقواعد ثابتة، ويستند الى كم وكيف من المرجعيات الكامنة في نظام الصورة الملكية، وقد تناقلت الاجيال هذه الخبرة الموروثية بامانة مطلقة. حتى تفجرت ثورة اخناتون الدينية، والتي قادت الى تحول البنية الثقافية المصرية، بسبب تحول نمطية انظمتها الثقافية. وقد اولينا لذلك الفصل الختامي من هذا الكتاب.