وعلى الرغم من هذا كله بمسوداويته بمعاناته ومتاعبه اجد ان النقد تعد مهمة ضرورية بل هي بحث لابد ان نهتم به كي نستنهضه وارى ان هذا الملف هو حفر في النقد، هذا الحفر الذي سيخرج لنا طريقا جديدا وبصدور هذا الملف الحيوي والمهم تصبح الكتابة عن النقد او بعبارة اخرى نقد النقد، بمثابة انشاء منظومة فنية جديدة، تكوين فنية جديدة، تكوين اتجاه فني غير موجودة في الساحة الفنية التي بدأت تظهر بواعث جديدة كما نسمع من اصدائنا في الفضائيات.
اذا لابد لنا في اعداد الساحة للنقد ليكون حاضرا وفاعلا في مسيرة العمل الفني وتطور فالنقد عنصر فعال في تطوير الدراما العراقية التي ستظل بحاجة مستمرة للنقد المتسلح بالمفاهيم العلمية والفنية والذي يعمل على تشريح الدراما للارتقاء بها الى ما نصبو اليه جميعا.
وقبل البدء بمناقشة ازمة النقد المستديمة لابد لنا ان نؤكد على ان ما انتج من نقد عن الدراما التلفزيونية لا يمكن باي حال من الاحوال ان نضعه في حقل النقد الفني لان ما كتب فهو عبارة عن ملاحظات ومتابعات صحفية تمتملأ بتشخيصات عامة سريعة لا تهمت في الغالب بالجوانب الفنية للعمل التلفزيوني. واذا ما جرت الاشارة الى تلك الجوانب فانها تأتي بعبارات الاعجاب او السخرية من دون تحليل ودراسة لكلا الجانبين كما انها تأتي في المقام بشكل انطباعات تمر كالبرق على العمل مسجلة عبارات عامة يمكن توظيفها على كل عمل تلفزيوني او حتى مسرحي فهي عبارات، شكلية جاهزة وخلاصة الرأي انها ملاحظات اساءت للنقد التلفزيوني الحقيقي اكثر مما ساهمت في توضيح او رسم معالمه.
تجربة
ونحن بصدد ازمة النقد التلفزيوني لابد لي ان اشير الى تجربة اعدها مهمة لانها لو استمرت لاوصلتنا الى نتائج جد ايحابية، انها تجربة الصديق الراحل قاسم عبد الامير عجام الذي سبق لي وان كتبت عنه وفي هذا المجال بالذات، انا شخصيا لي معه تجربة مهمة وجميلة، فقد كان ناقدا لعملين تلفزيونين من تأليفي هما(الكرامة) و(الحلم) قد مثلهما في بداية السبعينيات في تلفزيون الجمهورية العراقية، ولهذا المثقف القدير اكن جل الاحترام له ولتلك النتائج النقدية التي استنتجها عن عملي فقد فتحت امامي سبلا واسعة في التأليف، فهو لم يكتف بمشاهدة العملين في الشاشة الصغيرة بل قرأ النص الادبي كما كتبته انا في الاصل واطلع على التغيرات الحاصلة بعد العرض، وهو بهذا كان قد استوعب العمل بطريقة صحيحة، فكلما كان الناقد قريبا في العمل، مطلعا على حرفياته كلما كان اكثر اقتدارا في تحليل العمل الفني، فالناقد الحرفي الذي يقرأ النص ثم يواصل حضور التصوير والمونتاج يكون قد دخل في صلب العملية الفينة التي تمهد له طريقا سليما وتتكشف امامه كل اسرار العمل الفني.
لقد كان هذا دافعا لظهور محاولات جادة في النقد التلفزيوني على الرغم من انها محاولات ذات حركة متقطعة، فهي تظهر لفترة وتخفي فترة اطول، الى جانب ذلك قام عدد من المثقفين بالكتابة عن الاعمال التلفزيونية وحتى السينمائية والمسرحية لاثارتها اسئلة معينة حاولوا الكتابة عنها لكنها ظلت محاولات عابرة تحمل موقفا ثقافيا اكثر مما هو موقف نقدي واضح.
نوع آخر للنقد
في تقديري ينشط الان في هذا المجال بعض من العاملين في الصحافة الفنية، وهذا لا يعني ابدا التقليل شأن هذا النقد المسرحي او السينمائي او التشكيلي هذا النقد مطلوب في الصحافة اليومية وحتى الاسبوعية لكني انظر للامر من زاوية اخرى، فنحن ليس عندنا ازمة نقد صحفي، نحن نعيش ازمة نقد عامة، اطمح شخصيا ان نرتقي جميعنا خاصة اولئك المنشغلين بالدراما التلفزيونية والسينمائية الى مستوى الكتابة النقدية النظرية التي تتناول النظريات الجمالية وعناصر الدراما السيناريو، الاخراج، التمثيل، التصوير، المونتاج، الاضاءة.. الخ، ولهذا النقد طرق عديدة منها تقديم وجهة نظر خاصة صادرة عن التجربة والتأمل في النظرية وطريقة اخرى، تدرس الاساليب والنظريات في التأليف والاخراج وغيرها.
منطلقات قادمة
اعتقد ان(تخلف) النقد الفني عن تصاعد الوتيرة الانتاجية للدراما التلفزيونية يكمن في الفهم العام الساذج لمهمات الناقد، كأنها قلة الخبرة وانعدام التقاليد تقف وراء ضعب النقد التلفزيوني فحتى الان نلاحظ ترفع الكثير من العاملين في المجال الفني وعزوفهم عن ممارسة هذا النوع الفني المتقدم، فانا ارى ان يكون الشخص ناقدا يعني ان يمتلك من المؤهلات الكبيرة التي لا يملكها غيره من الفنانين ولنا في هذا شهادة العديد من النقاد العاملين الذين كان لهم الفضل في اكتشاف المواهب الجديدة.
ان هذا يدعوني الى طرق اسماع المؤسسات التعليمية(الاداب) الاعلام معهد كلية الفنون الجميلة فلقد مارس الكثير من خريجي هذه المؤسسات النقد الادبي والفني في الاربعينيات على سبيل المثال، وقد تبوء البعض منهم مكانة كبيرة في النقد الادبي فماذا اصابهم؟
وما الذي تغير في اعداد الكوادر؟
حقا هناك ازمة فقسم السينما في معهد الفنون الجميلة لا توجد في المفردات الدراسية له مفردة النقد السينمائي وكان لي شرف المباردة في ادخال مادة النقد السينمائي ضمن منهج القسم ولا ادري ان كانت هذه المادة المهمة ضمن منهج قسم الفنون السمعية والبصرية في كلية الفنون الجميلة؟
فالمفارقة كبيرة الان تزايد الانتاج التلفزيوني وظهور علامات طيبة تشجع المعنيين بملاحظتها ومتابعتها نقديا، ولكن الضفة الاخرى ضفة التقييم والتقويم باتت مشلولة غير ظاهرة للعيان، فلقد ظهرت مسلسلات عراقية كما ننتظر من الاكاديميين الذين لا ينقطعون في محاضراتهم المدرسية عن تقطيع تلك المسلسلات وبلا رحمة الا انهم لا يجرؤون الان على كتابة صفحة للصحافة.
انا اعتقد ان النقد يولد من رحم الانتاج الفني والادبي، والشهادة ما هي الا حالة تقويمية للشخص الذي يتمتع اولا بحس وبصيرة نافذة تؤهله لان يكون ناقدا. فكلنا نعرف ان النقد لا يمكن فصله عن النتاج الفني، فلا يمكن ان يتخلص النقد من دون نتاجه ولا يمكن لهذا النتاج ان يكون متطورا مندفعا الا بملاحقات النقد. وارى من الضروري جدا ان يراجع الزملاء والاصدقاء انفسهم ثانية وثالثة وينظروا الى الامر من الزاوية الوطنية الفنية التي تحتم علينا الاهتمام الجاد بهذا الجانب الحيوي في مسيرة عملنا الفني، فلا يمكن ان نترك الامر يسير حسب ما يهوى بل علينا خلق الاجواء المناسبة ووضع وتهيئة جميع المستلسزمات التي تتطلبها مرحلة بناء نقد فني رصين.