ولكن منذ ان اخترع انسان سومر الكتابه قبل بضعة آلاف من السنين هي مجرد برهة فى حياة الانسان اصبح لدينا سجل لتطور الانسان فى كافة المجالات وهو امر ساهم فىالتواصل والاستفادة من التجارب والخبرات المتراكمة للانسان.
لقد غيرت الكتابة جذريا حياة الانسان وطريقة تعامله مع بيئته ووفرت له قاعدة اساسية معرفيه سمحت له بالبناء فوقها..فالكتابة غيرت وطورت آلية عمل العقل البشري فلم تعد الافكار والانجازات التى يتوصل اليها بعد جهود كبيرة تاتى وتذهب بل صار ثمة حافظ لها جعل الاستفادة منها والاضافة لها سنة هامه من سنن تطور الحياة المعرفية للجنس البشري كما ان مخ الانسان ذاته قد تعرض هو الاخر لتغيير بدوره بعد ان وفرت له الكتابة آلية جدبدة للتعاطي مع الافكار والاحداث بعد ان توفرت له تقنية رافعة لعمله بديلا عن بدائية عمله الاول.
لقد ساهمت الكتابة مع اللغة فى ظهور التجمعات البشرية عن طريق توفير امكانيات التواصل والتفاهم وبيان المشتركات وتوحيد الجهود تجاه الاخطار وفى تطوير العديد من الاشكال والتنظيمات السياسية والاجتماعية ومنها الدولة بتوفير وحدة مرجعية للناس يمكن عن طريقها معرفة الصواب والخطا والحقوق والواجبات..الخ
لقد كانت الكتابة اكتشافا واختراعا فى آن واحد غير فكر وحياة الانسان وليس مجرد تقنية معرفية فبعد كفاح مرير ادرك الانسان الحاجة لشىء عرف لاحقا بالكتابة وبعد تجارب مضنية وصل الانسان الى القناعة بانه يمكن تحقيقها ثم وبعد تطورات هامة تمكن الانسان من اختراع الكتابة حيث فى البداية كانت مجرد تقنية تساعده فى بعض شؤون حياته ولكن الكتابة بعد ان تطورت هى ذاتها وتطور دورها فى حياة الانسان لم تعد مجرد تطور تقنى بل اصبحت ثورة فكرية اذ لايمكن تصور الحياة للانسانية ولامنجزاتها بدون الكتابه ويمكننا تصور كيف ان حياتنا وما وصلنا اليه لن تكون بهذه الصوره لو ان الانسان استنبط تقنيه اخرى غير الكتابه..
فى بداياتها الكتابه كانت بدائية الشكل والمضمون كما ان امكانيات الاستفادة منها محدوده ولكن مع التطور الذى طرا على الشكل والمضمون اصبحت متاحة لكل انسان بعد ان كانت مقصورة على نخب صغيرة فى التشكيلات السياسية والاجتماعية المسيطرة وبعد ان كانت واجباتها محدودة فى تسجيل نشاطات الحكام والقادة لتحقيق جزء من رغبتهم بالخلود صارت واحدة من اساسيات الحياة لايمكن تصور حياة المجتمعات بدونها فامست شانا فرديا وخاصا اضافة لكونها امرا عاما ففى الوقت الذى اسهمت فيه الكتابة فى تطوير المعرفة الانسانية بكل مجالاتها فانها وفرت للفرد الامكانية لاطلالة على كل انواع المعارف والعلوم من خلال اجادته لتقنيتها العصرية البسيطة.
ان الكتابة والمنظومات المعرفية المتصلة بها فى تطور مستمر ومستقبلها مرتبط بتطور الحياة الانسانية حيث يتوقع تغير دورها واهميتها وتقنياتها كما حدث فى الماضى فلم تعد الامية تعنى عدم المعرفة بالقراءه والكتابة وفى المستقبل سوف تعنى الامية عدم اجادة بعض المهارات المعرفية المتصلة بالكتابة والتى هى فى الوقت الحاضر مقصورة على المختصين .
والان بعد ان اصبحت الكتابة شانا خاصا وعاما متداخلا وهناك اعداد هائلة من البشر يصرفون اوقاتا طويله وهامة للكتابة يصبح سؤال لماذا ولمن نكتب اكثر الحاحا؟
ان الكتابة هي اختراع اجتماعى بالدرجة الاولى وان دورها يختلف من زمن لاخر وحسب الانظمة السياسية والاجتماعية وحسب طبيعة الكاتب واهتماماته فالشاعر الذى يلجا لكتابة لحظات التجلى والوجد يختلف غرضه عما لو انه يكتب لان شعره مطلوب ويدر عليه عائد مادى وترتبط القصة والرواية باسباب اعقد للكتابة حيث القصدية والتخطيط تسم هذاالضرب من الكتابة فهنا الكاتب يرغب بلعب دور اكبر لكلماته فهو يقود القارىء الى تفسير لاحداث الماضى يريده او تصور لاحداث المستقبل يتفق مع رؤياه. ان الكتاب في الشؤون العامة مثل السياسة او الفلسفة اوالاجتماع ...الخ لهم اهداف اعقد في الكتابة فالكاتب هنا يطرح رؤاه لعالم او مجتمع يريده وكيفية الوصول اليه وضمن هذه الرؤيا يضع دورا يتصوره ضروريا له .
ان الكتابة بالمعنى الغير حرفي للكلمة في تطور مستمر والتوقع ان تفقد شكلها المعاصر لمصلحة الوظائف الاعقد التي ستقوم بها حيث يتوقع بالتدريج ان تفقد المهارات الكتابية اهميتها لمصلحة الافكار والمضامين التي وحدها ستكون معيار المعرفة والتقدم حين يقوم الانسان بالجزء الاكبر من وظائف الكتابة في عقله ليخرجها للاخرين ضمن تقنية ارقى اتصورها في شكل اشارة اوحركة او كبسة زر تعطي مجموعة افكار او معاني .وفي الوقت الذي نتصورعالمية التغييرات المتوقعة و المطلوبة على دور المهارات والتقنيات اللغوية والكتابية بما يخدم التطور والمضمون على حساب الشكل والسبك، فان من باب اولى ان يحدث ذلك لعالمنا العربي وللغتنا العربية المعتقلة من الاكليروس اللغوي الذي يتعامل مع اللغة كشيء مقدس وليس كوعاء للافكار واداة تخاطب انتجها الانسان وتتاثر بتطور الحياة.
لقد ادى وضع اللغة العربية هذا ليس فقط الى الحد من تطورها وتكيفها مع تعقيدات الحياة المعاصرة بل ساهم ايضا كجزء من منظومة فكرية متخلفة الى تعطيل التطور الفكري الضروري لاي امة ترغب بالتواصل مع الاخر في هذا العالم الصغير وقد تراكم هذا التخلف لينتج فجوة حضارية كبيرة جعلت الفارق
بين العرب والغرب المتقدم فارقا نوعيا وليس كميا فاصبحنا مصدرا للافكار المتطرفة والعدمية ضمن منظومة حياتية غير قادرة على التعايش مع الغير في اطار ثوابت ومسلمات انتحارية ترى في النضال ضد الاخر لافنائه هدفا وغاية نبيلة وان ادت الى هلاكنا نحن ايضا . ان الجمود في تطوير التقنيات اللغوية والكتابية بما يتناسب مع مسيرة الحياة العصرية بحجة المحافظة على اللغة العربية لانها لغة القرآن لم يقف عند حدود قداسة شكل اللغة وانما ساهم مع عوامل اخرى في سحب القداسة من الوعاء للافكار بجعل النص والنص وحده مرشدا للحياة ومنبعا للفكر فنتج عن ذلك سلفية غطت كل مجالات حياتنا فلم نعد نستطيع التواصل مع الاخر ولافهمه ووجوب التعايش معه فكان طبيعيا ان نصطدم بالاخر وان تزدهر لدينا كل فكرة تؤكد خصوصيتنا وصوابنا الدائم المرتكز الى نص مكتوب.