نراه وقد تساقطت أوراق يفرح البشر وهم يدوسون على جثثها ويهللون محتفلين بسواها في تقاويم جديدة ، يبنون قصورا من الأحلام تتغافل عما يحيق بها ،ويتربص بالبهجة والأمنيات البسيطة بالسلام ، هلّلويا وأجراس و بشارات ميلاد تترمز فيه لهفة البشر وهَفوِهم الملتاع لحياة بلا جراح ، أمنيات باضمحلال الشر الذي يفسد البراءة والأمل ، سعادات مُدبرة لا تلتفت لضراعاتنا ، وهي تسخر من فرح كالبكاء ، وكأن الأقنعة التي تخفي الوجوه احتفالا تحجب رؤية مصير الأوراق القادمة.كثيرا ما أفزع الشعراء كرّ الأيام وتعاقبها ، بل تساءلوا عن عامهم الجديد وساءلوا بهرجَه الخادع ونبشوا في فحواه حتى لخّص أمل دنقل ذلك (الدور) الزمني المتكرر متسائلا ) سنة تمضي وأخرى سوف تأتي / فمتى يُقبل موتي؟) وتخاطبه شاعرة بالقول : ( يا عام لا تقرب منازلنا فنحن هنا طيوف ) ويكتب البردوني في مناسبة عيدٍ مشابه: ( يقولون جئت فماذا جرى؟ وماذا تجلى وماذا اعترى ؟ / تزيد القبور السجون البيوت ، فهل زاد شبرا أديم الثرى ؟).
وأكتب في تقويمي كمن يرقم على الماء ما سيمحوه موج الأيام المحملة بعقارب تلدغ لحمنا و تسمم ذكرياتنا . أكتب:
- لوطن يبتعد كلما اقترب في الحلم ..وتملأ شظاياه أجسادنا ويتمادى ولا نكف عن محبته، أكتب: كن يا عراق السواد والشعر والحلم ملاذا حيث تضيق الأرض ، وتتلجلج في النفوس رغبة الاستراحة والركون للظل .
- ولابنٍ تغيم صورته في وخز انتظار عودته: لا تتأخر أكثر فثمة مَن يتربص بصبري ويمتص ما ظلّ من عصارته ، طلبتك من الله في داره ، وها أنا أنتظر كما يكبر الصغار ونشيخ.. وأنت توغل في الغياب ، فهلا ملّ خاطفو شبابك خرافاتهم ووعود سدنتهم الجهنمية وألقوا خناجر بغضائهم وأيقنوا أن الحياة أقوى من سيافيهم وأمراء ظلامهم ...؟
- لبيتي البعيد وأهل تناثروا تحت نجوم سماء ممزقة وشاسعة وصداقات تطل باسمة من كوى الذاكرة وطفولة متعثرة بدشداشة يزيدها البرد شجنا ، وليمونات حديقة البيت التي يذبل زهرها كل شتاء وأتخيلها فوق مائدة سرية لا يراها القتلة ، ولمكتبة تشحب وتصطف على رفوفها سحب الغبار في ليل بغداد الطويل ،أكتب:
انتظارنا كأوديسة من العذاب لا آخر له لكنه محنط برغوة الأمل وشيء من التعلات بأيام أقل قسوة وألما.
- ولسجينة حلم أكثر عصيانا من الموت أكتب :
ماذا لو لبس الزمان أردية الخفاء فرفعنا من أرض بلا قلب لنتكور في زاوية يكفي لإنارة ظلمتها أننا معا.
- ولنفسي المعذبة بالسلوان أكتب ما لا أراه في الظلمة، فلربما سيهتدي سعاة بريد أميون لعنواني الممحو فيقرؤني أعمى وحيد ويسمع صراخ روحي أصم رحوم .