ان حروف اية كلمة لاتعني سوى علامات او دوال لكنها باتفاق اعتباطي مع الناطقين بها ، نستحضر مدلولا محددا في عقل الشخص الذي يستخدمها مثل كلمة حر يـة فكل حرف على حدة لايعني شيئا ولكن باجتماع الحروف هذه باللغة العربية فانه يعني كلمة " حريـة" بتداعياتها الانسانية والثقافية المكثفـة .
ان لهذه الاشارات اللغوية معاني خاصة في نظام اللغة بسبب اختلافها عن الاشارات الاخرى ، لم يجد سوسير" المعنى" كامنا في الاشارة اللغوية نفسها ولكنه وظيفي تنتجه الاشارات باختلافها عن سواها هذا الاهتمام بالتركيب الموضوعي للاشارات أي بما نسميه باللغة بمفهومها العام وبممكناتها ، المتفرقة على الكلام الفعلي لكل واحد من الناطقين بها ، ميز البنيوية على سواها أي وفق هذه النظرة تم الابتعاد عن الاشياء الحقيقية وبذلك حاولت ( البنيوية) توسيع هذه النظرية اللغوية والخروج بها الى مديات اخرى خارج اللغة المنطوقة والمكتوبة هذه، مثل قائمة الطعام والاسطورة ، ومباريات رياضية ، ونظام قرابة بدائي ، او نتاجات فنية تشكيلية وسينمائية ومسرحية وموسيقية ... وكذلك انظمة حكم .. الخ ، الناقد البنيوي يحلل هذه القوانين ويعزلها عن بعضها ، فهي بارتباطها تجعل من العلامات ( الاشارات ) مكونة للمعاني ، أي يتم تجاهل ماتقوله هذه العلامات فعلا ، والتركيز على العلاقات الداخلية التي تربطها ببعضها البعض. وكما يحدد ( مزدريك جيمسون) فالبنيوية ( محاولة تعيد التفكير في كل شيء مرة اخرى بوساطة علم اللغة ) ( ص107 ) ان اهتمام البنيوية الاساس ينصب على الناحية التركيبية للادب وتدرس الاشارات نفسها ، قبل اهتمامها بالمعاني ، حاول رومان باكوبسون ايجاد صلة ما بين البنيوية والشكلانية التي ساهم في تاسيسها ، معتبرا – على سبيل المثال-
ان الشعر يتأتى قبل كل شيء من وضع اللغة في نوع معين من العلاقات الواعية ذاتيا مع
نفسها. أي ان الوظيفة الشعرية تجلب الانتبـاه الى صفات اللغة المادية ، وليس بوصفها اداة لتبادل المعلومات ففي الشعر ( تفصل الاشارة عن الشيء الذي تشير اليه) وبذلك تختل العلاقات الاعتيادية ، وتضطرب ما بين الاشارة والشيء الذي تدل عليه الاشارة ( ص 108 ) أي يترك للاشارة استقلالاً لا يمتلك قيمة ذاتيـة .
وتم ربط الكلمات من خلال الدلالة الوزن والصوت بتعادل او تكافؤ ، فتنقل الوظيفة الشعرية من محور الاختبار الى محور الربط فينصب الاهتمام بالتشابه والتضاد والتوازي التي تخلقها اصواتها ومعانيها وايقاعاتها وايحاءاتها ، وليس عكسها لحقيقة خارجية ، يوري لوتمان ينظر للنص الشعري بوصفه نظاما يتكون من طبقات تتوقف معانيه على القرينة وعلى المرادفات والمضادات وبحسب نظريات تبادل المعلومات الحديثة فالزيادة في المعلومات تسبب نقصاً في التواصل!
" المعلومات جمـال"
تتحطم وتنزاح الانظمة المعجمية والكتابية والعروضية والصوتية ... الخ في النص الادبي ومن خلال عملية التصادم والشد فيما بينها يتحقق وقعها وتاثيرها على المتلقي لانها حطمت ذلك الانسجام المعهود في تلك الانظمة خارج تجربة النص الادبي او القصيدة، واعطت للتجربة الفنية صورة اخرى.فالنص الشعري.. يقول لوتمان" (عبارة عن توليد واجهاض مستمر للتوقعات وتفاعل معقد بين المنظم والاعتباطي بين المعيار والانحراف عنه، بين النماذج الوتيرية واللامألوف بشكل درامي (ص 112). ان اختلاف المتلقين له دلالته.. ايضا في تلقي التجربة الادبية للنص فقد تكون الوسيلة الشعرية نفسها عند شخص ما "كلاما اعتياديا لشخص اخر" (ص 113) لقد حاولت البنيوية الرد على المفهوم البرجوازي القائل بان المعنى اما ان يكون حصيلة تجربة خاصة او انه نتيجة الهام سماوي بل وجدته نتاجا لانظمة تعبير مشتركة وبذلك وجهت لطمة قوية للاعتقـاد البرجوازي القائـل بان الفرد المنعزل هو الينبوع والاصل لكل المعانــي(ص117).
_____________________________________
هوامش: تيري ايفلتون/ مقدمة في النظرية الادبية/ ترجمة ابراهيم جاسم العلي دار الشؤون الثقافية : 1992 .
*عميد كلية الفنون الجميلة/جامعة بغداد