|
 |
اوضاع اليهود في اسبانيا قبل الفتح الاسلامي
أ.د. جواد مطر الموسوي*
|
تتناول هذه الدراسة بالعرض والتحليل جوانب مهمة من احوال اليهود
في اسبانيا قبل الفتح الاسلامي ، تتبعها بعد ذلك دراستان ، الاولى (
اليهود في اسبانيا ابان الحكم الاسلامي ) والثانية ( اليهود في اسبانيا
بعد نهاية الحكم الاسلامي ) ، والغاية من وراء ذلك هو تسليط الاضواء
على اوضاع اليهود في اسبانيا في ظل انظمة الحكم التي مرت على اسبانيا ،
وعلى الرغم من طول المدة التي تغطيها الدراسة .
كان اليهود تحت الحكم الروماني والقوطي نحو ستة قرون ، والمدة
نفسها بالنسبة للحكم الاسلامي ، واقل من ذلك بقرن اثناء الحكم الملكي
ثم الجمهوري .
تمتاز جغرافية اسبانيا ( شبه جزيرة ايبريه
Iberian Peninsula
) بأنها ارض مرتفعة وجافة قليلة الانهار ، تقطعها
الجبال الى جيوب معزولة ، مناخ مناطقها الشمالية شبيه بمناخ جنوب فرنسا
( بلاد الغال) ، أما مناخ القسم الجنوبي منها فشبيه بمناخ شمال افريقية
(1) ، سكنتها قبائل الوندال
Vandals
، ثم سيطرت عليها قبائل القوط(
Goths)
التي نزحت من شمال اوربا ، وهذه القبائل ( الوندال والقوط ) تتشابه في
الدين والعادات والاخلاق والتقاليد (2) مما يدل على انها
ترجع في الاصل الى ارومة واحدة .
اما عن تاريخ وصول واستقرار اليهود في اسبانيا فهناك اكثر من
رأي في هذا الشأن ، فيرى ( عبد المالك التميمي ) (3) انهم
هاجروا مع الكنعانيين (الفينيقيين) قبل الميلاد من بلاد الشام عن طريق
سواحل شمال افريقية ، ويبدو ان هذا الأي بعيد بعض الشيء عن الصحة ،
بسبب العلاقة المتوترة عبر التاريخ بين الفينيقيين واليهود ، ثم انه
لايمكن ان يهاجروا بغير ضغط كبير من اماكنهم المقدسة ، سواء كان هذا
الضغط سياسياً او نتيجة عوامل طبيعية .
ويرى كرايزل (4) (Soloman
Grayzel)
ان اول اتصال بين اليهود واوربا الغربية كان عبر روما سنة ( 160 ق.م) ،
وازدادت اعدادهم في القرن الاول قبل الميلاد حيث قدر عددهم بخمسين
الفاً في مدينة روما ، وتركز نشاطهم في الاعمال التجارية والحرف
الصناعية ، بصفتهم باعة متجولين في معسكرات الجيش الروماني ، ثم دخلوا
اسبانيا بعد ان اصبحت جزءاً من الامبراطورية الرومانية .
ولعل وصول اليهود وانتشارهم في مناطق كثيرة من العالم ومنها،
اسبانيا يرجع الى الأضطهاد الذي تعرضوا له من قبل الامبراطورية
الرومانية التي هاجمت بيت المقدس ( أورشليم ) وهدمت معبد ( هيكل سليمان
سنة 70م ) (5) بقيادة الامبراطور تيتوس (Titus)
سنة ( 40 ـ 81م ) ، ثم تتبعهم في المناطق القريبة من بلاد الشام
وشمال شبه لجزيرة العربية ومصر وشمال افريقية.
أما اليهود داخل الامبراطورية الرومانية ، التي كانت تدين بالوثنية
، فقد اتسمت معاملتهم بالتسامح في ممارسة معتقداتهم الدينية وأعفوا من
تأليه وتقديس الامبراطور (6) ، كما كانوا محميين من القانون
الروماني بصفتهم مواطنين عاديين في المجتمع ، ولم ينظر اليهم على انهم
غرباء بل مواطنون رومان ، وكانوا في اسبانيا كثيري العدد وبشكل استثنائي
وسيطروا على المراكز المهمة والرئيسة في المدن (7) .
وبعد اصدار مرسوم ميلان الشهير سنة(313م) حيث اعترف الامبراطور
قسطنطين ( 305ـ 337 م) بالديانة المسيحية ( النصرانية ) ديانة رسمية
للدولة، (8)ونقله عاصمة الامبراطورية سنة(330م) من روما
القديمة على ضفاف التبير في ايطاليا الى بيزنطة ( روما الجديدة ـ
القسطنطينية ) على ضفاف البسفور (9)، بعد ان احرز قسطنطين
انتصاره على منافسه ليسينيوس (Licinius)
وما تبع ذلك من انضواء الشرق تحت لوائه ، تغيرت معاملة اليهود عموماً ،
ويرجع ذلك بسبب الموقف العقائدي الذي اتخذه اليهود من النبي عيسى (عليه
السلام) فضلاً عن مساعدتهم الامبراطورية الرومانية في اضطهاد وتنكيل
بالمسيحيين ومحاربة المسيحية (10).
وخلال الحكم القوطي الغربي (
Visigoths)(570-711هـ)
لأسبانيا ، كانت معاملة اليهود جيدة ، وسمح لهم بممارسة طقوسهم الدينية
وحرية العمل (11)، لكن مالبثت معاملتهم ان اصبحت قاسية جداً ن
وضيق عليهم ، بعد تغيير القوط مذهبهم الديني من الآريوسية (12)
الى الكاثوليكية في عهد الملك (ريكاردو) (
Reccaredo)
سنة ( 587م) فصارت طليطلة مركزاً لأسقفية كبيرة يقيم فيها اسقف كبير يمثل
البابا ونفوذه (13) ، وأخذت المجامع اليهودية الطليطلية تقدم
المشورة للملوك لسن القوانين القاسية ضد اليهود (14)، ومنها فرض
الضرائب على الذين يشتغلون بالتجارة والربا (15)، وبذلك تحول
الاضطهاد الديني من المسيحيين اصحاب المذهب الكاثوليكي الى اليهود .
وعلى اثر ذلك اخذ اليهود يميلون الى العزلة في مجتمعات مستقلة ،
نتيجةً للأضطهاد الشديد ولاسيما ان المجامع المسيحية الطليطلية استمرت في
تضييق الخناق عليهم ، باشرت البابوية ، فأصدر المجمع الطليطلي الثالث (
589م) قراراً بضرورة تعميد الاطفال الذين يولدون من زيجات يهودية ـ مسيحية
(16)، ثم اصدر الملك سيسبوت( شيشبرت ) سنة (613م) قراراً يخير
اليهود بين التنصر (اعتناق المسيحية) أو الهجرة من اسبانيا ، وقد أيد
المجمع الطليطلي السادس (638م) هذا القرار (17)، فأضطر الكثيرون
من اليهود الى الهجرة وتظاهر بعضهم الآخر بأعتناق النصرانية ، وهؤلاء هم
الذين يسمون باليهود (المتسترين) (Juduizantes)
كما قرر المجمع الطليطلي الثامن ضرورة تعميدهم من جديد ، وامتحان نصرانيتهم
بتقديم لحم الخنزير اليهم ليأكلوا منه ، المحرم في الديانة اليهودية ، ثم
حرمت اقامة الشعائر الدينية اليهودية ، وصودر ربع املاك من ظل على اليهودية
، كما لعن المسيحيون الذين يعاونون اليهود على اقامة شعائرهم وطقوسهم ،
كذلك طردوا اليهود الموجودين في مدينة آربونة(18) ، الذين كانت
لهم علاقة حسنة مع المسيحيين .
ولقد بلغ هذا التعسف مداه على ايام الملك ( أيرفيج ) حيث قرر تطبيق
قرارات المجمع الطليطلي الثامن في ارغام اليهود جميعاً على التنصر ( اعتناق
المسيحية )،وترك البلاد خلال عام ، فكان ان زاد عدد اليهود ، وحاول بعضهم
سراً القضاء على الدولة القوطية ، فأكتشف القوط ذلك ، فقرر المجمع الطليطلي
السادس عشر ، اعتبار اليهود جميعاً رقيقاً وتوزيعهم على المسيحيين ، وحُرم
عتقهم، وتقرر فصل اولادهم عنهم وتنصيرهم ، وتربيتهم تربية مسيحية ، وان
لايتزوج العبد اليهودي إلا بجارية مسيحية وىتتزوج يهودية إلا بنصراني ،
واستثنى من ذلك يهود مدينة سبتمانية (19) ، ربما لعدم اشتراكهم
بالمؤامرة التي حيكت ضد الحكم القوطي .
وحاول أخيكا (Egica)
( 687 ـ 702م) ان يخفف الوطأة عن اليهود ، فأزال عنهم ما كانوا يلقونه من
ارهاق ، ولم يكد اليهود ان يتنفسوا الصعداء ، حتى بدأو يكيدون للقوط ،
ويتصلون بأبناء عمومتهم في المغرب ، وحاولوا اغراء العرب في فتح اسبانيا ،
فأدى ذلك الى تغيير موقف( اخيكا ) ضدهم ، فأصدر المجمع الطليطلي السابع عشر
قراراً في سنة (694م) بالعودة الى الاضطهاد السابق ، واعتبر اليهود خوارج
على الدولة ، وان تنتزع املاكهم في سائر اسبانيا ، وان تحول الى املاك
العرش ، وان يشردوا ويقضى عليهم بالرق الابدي للمسيحيين ، وان يهبهم الملك
عبيداً لمن يشاء ، ولايسمح لهم بأسترداد حرياتهم ما بقوا على اليهودية ،
وان يحرر ارقاؤهم من يعتنق المسيحية بصدق ، ويمنحوا بعض املاكهم (20)
.
وكان الملك ماقبل الاخيرمن القوط غيطشة (ويتزا
Witiza
) له موقف متسامح من اليهود ، وبالمقابل كان له موقف متشدد من رجال الدين
المسيحيين (21) ، ولكن لايبدو ان لذريق (Rodrigo)
الذي استولى على الحكم ، وعزل الملك غيطشة قبل الفتح الاسلامي بسنة
(22) ، قد اعاد الاضطهاد السابق لليهود .
وهكذا دأب ملوك القوط (Goths)
بأستمرار على سن قوانين اشد قساوة من القوانين السابقة ضد اليهود ، على
الرغم من ان زمناً طويلاً قد مر على اعتناقهم المسيحية وبتحريض من الكنيسة
الكاثوليكية ، ومن ثم فليس من العجب ان نرى اليهود بعد ذلهم وافقارهم ،
ومنعهم من الوظائف الحكومية ، واخيراً استعبادهم ، من ان يرحبوا بالعرب
المسلمين ويؤيدوهم ضد القوط الغربيين ، بعد ان فشلت كل المؤامرات التي
قاموا بها للقضاء على الحكم القوطي .
من هذا كله يمكن القول ان اليهود دخلوا الى اسبانيا في نهاية القرن
الاول قبل الميلاد ، وكانت معاملة الدولة الرومانية( الوثنية ) تتسم بعض
الشيء بالتسامح ، لكن بعد اعتراف الامبراطور ( قسطنطين ) بالديانة المسيحية
سنة (313م) ديانة رسمية للدولة ، بدأت حملات الاضطهاد والتنكيل المسيحي
لليهود ، لكن خلال حكم القوط الغربيين لأسبانيا ( 570ـ711م) ازدادت معاملة
اليهود قساوة ، وضيق عليهم ولاسيما بعد ان غير القوط مذهبهم من الآريوسية
الى الكاثوليكية سنة (587م) ، وبأشارات من البابوية كانت المجامع الكنسية
المسيحية ، التي تعقد في اسبانيا ، تصدر المراسيم والقرارات التي تضطهد
اليهود ، منها فرض الضرائب الباهضة على تجارتهم ، ومحاولة اعتناقهم
المسيحية بالقوة ، ومصادرة املاكهم وتعميد اولادهم ، ووصل الامر في مجمع
طليطلة السابع عشر (694م) ان يصدر مرسوماً ينتزع كل املاك اليهود ، وفرض
الرق الابدي عليهم للمسيحيين ، ومن ثم فليس من العجب ان نجد اليهود يرحبون
بالمسلمين ، ويؤيدوهم ضد القوط الغربيين ، ولاسيما بعد ان سمعوا عن
المعاملة الحسنة لأبناء جنسهم داخل ارض المسلمين وبالذات في شمال افريقيا ،
وعلى اثر هذا الموقف كافئهم المسلمين بعد الفتح ( 92هـ / 798م) حيث اشركوهم
في حماية المدن التي يسيطرون عليها .
المصادر
والإحالات
1ـ هادريل،
والاس ، اوربا في صدر العصور الوسطى ، ترجمة : حياة ناجي الحجي ،( الكويت :
1979م) ص148 .
2ـ عنان ،
محمد عبد الله ، دولة الاسلام في الاندلس ـ العصر الاول ( القاهرة : مطبعة
لجنة التأليف والترجمة والنشر 1943م) ص 25.
3ـ اليهود
والصهيونية في المغرب العربي ، المجلة (العربية للعلوم الانسانية ) ،
ع4،ص119ـ156( الكويت : 1981م) ص120.
4ـ
History of the Jews(NewYork:1968) pp.265_
266.
5ـ يوسفوس ،
فلافيوس ، تاريخ الحروب اليهودية ( بيروت : 1872م) ص203ـ 207.
6ـ عاشور ،
سعيد عبد الفتاح ، اوربا العصور الوسطى ( القاهرة : مكتبة الانجلو المصرية
، 1978م ) ج1،ص36.
7ـ هادريل ،
اوربا ، ص163.
8ـ عاشور ،
اوربا العصور الوسطى ، ص27ـ39.
9ـ
Grayzel:
History, p270.
10ـ عاشور ،
اوربا الوسطى ، ص27ـ39.
11ـ
Grayzel: History,
p270
12ـ
Ariunism
نسبة الى
آريوس ( Arius
) ( 250ـ326م) وهو احد رهبان الاسكندرية ، خالف الكنيسة الكاثوليكية بقوله
: ان السيد المسيح ليس من جوهر الله ولايشاركه في الازلية ، وقد حرمت (
الآريوسية ) بموجب مجمع نيقية سنة (325م) وعدت حركة هرطقية .
13ـ كرباج ،
جورج ، عناصر المجتمع الاندلسي عند الفتح العربي ، مجلة ( آفاق عربية )
ع11،ص38ـ45 ( بغداد : دار الشؤون الثقافية 1984م) ص39.
14ـ بدر ،
احمد ، دراسات في تاريخ الاندلس وحضارتها من الفتح الى الخلافة ( دمشق :
1972م) ص90.
15ـ بيضون ،
ابراهيم ، الدولة العربية في اسبانيا ( بيروت : دار النهضة ، 1978م) ص 62 .
16ـ هادريل ،
اوربا ، ص 163.
17ـ عنان ،
دولة الاسلام ، ص 29.
18ـ مؤنس ،
حسين ، فجر الاندلس ( القاهرة :1959م) ص522؛ سالم ، السيد عبد العزيز ،
تاريخ المسلمين وآثارهم في لاندلس ( بيروت : دار المعارف ، 1962م) ص65.
19ـ مؤنس ،
فجر الاندلس ، ص223، ؛ سالم ، تاريخ المسلمين ، ص113
20ـ مؤنس ،
فجر الاندلس ، 522ـ 223.
21ـ ابن عذارى
، ابو العباس احمد بن محمد ، البيان المغرب في اخبار الاندلس والمغرب ،
تحقيق : احسان عباس ( بيروت : 1967م) ج2،ص4.
22ـ مؤلف
مجهول ، اخبار مجموعة ( مجريط ( مدريد ) : مطبعة ربدنير 1867م) ص5
*رئيس جامعة واسط |