صحيفة أسبوعية، تعنى بشؤون الثقافة والمجتمع                                       تصدر من بغداد، عن مؤسسة اتجاهات الثقافية........و بأقلام حرة

اتصل بنا

عن مؤسسة اتجاهات

روابط لمواقع ثقافية من نحن كتاب مشاركون أبواب الموقع

الرئيسية

 

 

مختارات من روائع الأعمال الفن التشكيلي العراقي المعاصر

 

شيبان أحمد

شيبان أحمد

أحمد الكرخي

أحمد الكرخي

حسن النصار / Superrealism

حسن النصار

علي التاجر

محمد سامي

عباس غريب

برهان صالح

أياد القرغولي

        (( باتجــاه فرح الأنثــى ))

         أ.د. عقيل مهدي يوسف

 

 

             مسرحية نساء السكس - فون

             إخراج : جـواد الاسدي

 

 

     في كل معالجة إخراجية جديدة "  نرى جواد الاسدي " مفتونا بعوالم النسوة ، وأسرارهن ، وكأنه يدخل أرضا بكراً ، وفضاءات حّرة نتلمس في تجربته نساء السكس- فون " التباساً " يخص " العنوان" ، اذ  لا علاقة " للبورغونية" بموحيات العنوان التي تخطر لدينا لأول وهلة ، ولا صلة لممارسة الفاحشة بوساطة ، الهاتف، لنسوة احترفن هذا النمط من البغاء الاشهاري ، المعلن في التلفزيونات .

وما كان ( لوركا) الاسباني منشغلا في نص ( بيت برنارد البا) بهذا الضرب من الاهتمامات ، بل كانت قضية المرأة المهضومة الحقوق ، بفعل جبروت التقاليد ، وطغيان امّ تنذر نفسها ، وبناتها ، ضحايا قدرية ، لصيانة " السمعة " الأسرية من ان تتلطخ بتقولات وشائعات تتعارض مع التقاليد الأخلاقية المتداولة في المجتمعات المقفلة .

جواد نقل الاطروحة الخاصة بلوركا ، الى حقل بصري ، وإدراكي آخر ، وهو لم يتعمد في مغايرته ، مشاكسة النص ، والتمرد على أنساقه المعروفة ، انما حاول إعادة توزيع مشاهده بما يتلائم والمعمار المجتمعي للمتلقي العربي ، و اللبناني بوجه خاص .

تجد في الشارع اللبناني ، قربا للنبض اليومي الحضاري العالمي ، في تصرفات " النساء " ، اذ قطعت المرأة اللبنانية شوطاً محسوساً في ابراز شخصيتها ، وتحقيق إرادتها الى هذا  الحد او ذاك ، وناضلت لتجعل الوصاية الفحولية ، اقل شراسة وهمجية .

وبالتالي تستأنف الممثلة اللبنانية ، هذا الدور الخلاق ، من غير إحساس ، بحراجة ما ، من متطلباتها الروحية والجسدية ، كالذي يكون عليه الحال لدى جمهور عربي آخر أكثر سكونية ، ومحافظة ، لأنها غير ملزمة بوضع أقنعة من  النفاق الاجتماعي ، بل ذهبت الى الكشف عن أسرارها الشخصية الخاصة ، وهي تستعيدها من سيرتها الحياتية الواقعية ، لتمنحها الى شخصية " الدور " لاسيما الأشياء  الحميمة الخاصة ببلوغها سن الرشد، وإحساسها بالتغييرات الفسيولوجية التي تطرأ على تضاريس جسدها فتنتقل من الطفولة الى نضج الأنثى ، المقبلة على المعاشرة ، والإنجاب ، وبناء خلية اجتماعية جديدة للحياة ، كنت تحس بارتباك هذا الجسد الذي نضج على حين غرة ، وكيف تبتلى صاحبته بفك هذه الطلاسم ، والأسرار ، ليشاركها المتفرج في ورطتها الصريحة ، التي تكاد تكون " تسجيلية" توثق الحدث للممثلة ، بمثل ما توثقه " للدور " الذي تلعبه ، وتبتكر إطاره التشريحي الحديث.

أراد " المخرج " جواد الاسدي ، ان تتماهى الممثلة مع دورها ، بطريقة استثنائية لان الوضعية الحضارية ، التي ناقشها " لوركا " هي وضعية عالمية ، ويمكن تكييفها  بطرائق محلية عدة ، وضعية خاصة باستغلال المرأة ، وابتزازها على مدار الأزمنة التاريخية ، والأمكنة الجفرافية المختلفة ، وبامكان مجتمعاتنا ان ترشح للدور الأوفر ابتزازاً وتدميراً  فالفسحة التي يتيحها النموذج اللبناني للخطاب ، أكثر مرونة من سواها في مجتمعات عربية مناظرة ، فكيف يمكن لام ، مغنية أوبرا ، ان تقفل البيت على " ابنتيها " بمعونة خادمة أمينة لكنها تتلصص على المغامرات السرية للام نفسها ، والبنات ، وعجوز تسترق السمع للأهات والتأوهات العاطفية ؟

لهذا الجوق النسوي المحروم ، والمتعطش للحياة ، فتعري بذلك طبقات " الحشمة " عن جمر الغرائز المتقد ، تحت الملابس ، والاسّرة ، والأفنية الظلية ، التي تأويهن مع رجال من مقاسهن تماماً !! حتى ذكرى رحيل الزوج ، لاتخرج من المصيدة القهرية للجنس ! فهذا الأب الصنم الذي تدعي الأم الحفاظ على هالته الكاسحة ، ماهو في حقيقته إلا ( عنّينـا) وعاجزاً جنسياً وغداً ، أذاق الأم المحترمة ، الأمرين ، فهو يرتمي بين أحضان عشيقته ، وينزو مثل تيس او قرد ، لكنه يتأبى على زوجته نفسها!!  ويتركها نهبا للهواجس والقلق والانكسار والحسرات ، ويفقدها الإحساس بأنوثتها .

في هذا العرض ، انتقل  جواد من مستوى معهود في أسلوبه الإخراجي الى منعطف مختلف ، وان احتفظ ببعض لوازمه الإخراجية ، مثل ربط إيقاع العرض الخارجي المتسارع مع الدوافع الداخلية للأبطال وبإظهار صوري متوتر ومتصاعد يبحث عن حلول تشكيلية في الزي ، والهيأة ، والمشي ، والإكسسوارات التي يشكلها النسق اللوني ، وهنا يسهم معه ( جبر علوان ) بتصميم الأزياء واختيار فصالاتها وألوانها ، وتوزيعها على أصناف النسوة ، كل حسب كينونتها الأنثوية الخاصة ، مع مؤثرات صوتية وغنائية ساندة.

الاسدي ، ينتقل من غنائية " الحزن " وثقل الهموم ، الى محور جديد نسميه غنائية " الفرح " !! فهو - الآن -  لا يقدم بطلة مذعنة ، مستكينة مستسلمة ، بل أنثى ، تجد آلاف الطرق للخروج من " المأزق " الذي تصطنعه الأم ، لبناتها هاتيك !! فهي ، تعلنها صريحة ، وبالفم المليان ، إنها متمردة على الوصايا الميتة ، ولا تعرف إلا خياراتها ، وما يميله عليها شغفها بالحياة ، وعشقها للمغامرة ، وتفتحها مع إيقاعات الليل والنهار وشموس اليقظة ، وأقمار الرومانسية ، وتعيد  سرد قصة جسدها ، على مسمع من الجميع ، ولا تخجل من إبراز خصوصيات هذا " التحول " وتمظهراته الحتمية ، التي غالباً ما تتعدها الفتيات بالتستر والكتمان! إنها لا تجد في البوح هذا أية غضاضة  ، وبالتالي ، هذا الدأب من الحفر في ( اركيوجيا الجسد ) هو ذاته مايستهوي الاسدي ، وكأن العالم ، تختزله معادلة جنسية كونية متفجرة ، الى شظايا ، ومنها هذه الكينونات المسرحية ، التي حركها بنابض شبقي مشتعل ، لا تصده حواجز ، او تكبحه ارادات مضادة لطغيانه العارم.

المتغيرات الواقعية في طريقة الإنتاج المسرحي للاسدي تحكمت حتى بمتغيراته الروحية فتجربة ان تمتلك مسرحا خاصا بك ، وفي بلد  متحضر مثل لبنان ،  وان تخاطب " بيروتيا" لايمكن ان تكتفي بمعالجات مهرجانية ، او تخاطب نخبة من المحكمين المختصين بفنون الدراما والعرض ، مثل هذه التجربة تتطلب آليات وأهداف من نمط مغاير ويتعين عليك ان تبحث عن صواعق جديدة وان تكشف قوتّها بأكبر من قوة  الشارع ، مئات المرات ، فأنت لا تخاطب جمهوراًُ متزمتاً ، او متحرجاً من هذا الخطاب النسوي المفتوح ، والمكشوف عن أقصى أسراره ومضمراته بل ان الشارع نفسه يجود عليك بغرائب ، وطرائد ، لم تخطر على البال احياناً !!

هذه الضواغط من المهيمنات المستحدثة ، ربما استجاب لها جواد بتخطيط واعٍ ، وبعضه غير واع ، لان الجمهور اللبناني النمطي ، يبحث عن " ثقافة " مسرحية خاصة باكتشافاته الذاتية وهو يريد ان يتمتع بالمعنى الحسي ، والغريزي – ايضا- لأنه غادر منطقة الوصايا ، ومسرد التحريمات ، وهو يبتهج للنكتة ، والطرفة ويريد تعميق هذا الإحساس بالفكاهة ، وبالحدود التي يفضلها ابن حاضرة عربية ، لكنها حافلة بالروح البشري العام وموارة باختلاط العوالم وتفاعل الأجناس ، والأعراق ، والديانات ، مما وفرّ أرضية صالحة . يجوس عليها ، بشر متفردون بذواتهم الخاصة ، ونوعياتهم المتمدينة ، المهذبة بفعل التقاء الثقافات و تقاطعها ، وتفاعلها الخلاق ، هذه الأرضية الغنية للجمهور هي الأساس المحفز للإشكال الإخراجية المبتكرة .

لجواد الاسدي في البحث عن" الكوميدي" في نصّ لوركا ، المعاد إنتاجه ، يقتضي خلق حبكة فرعية ، متوازية مع النسيج الرئيس للعرض الذي يقدّم لنا أطراف حكاية ، تهزأ تماماً من هيمنة الأم ، وبالتالي افقدتنا منذ البداية مرجعية الصرامة المخيفة ، وظهرت لنا ، وكأنها نوع من " البرلسك" والسخرية المعقبة بطريقتها التهريجية على اصل فيه بعض من الجدية ، لكنها غير الموصولة بالحبكة المأساوية التراجيدية ، انما هي مقترح فضائحي ، لا تجد بين أطرافه من يخيف الآخر فعلاً ، اذ بدت لنا الأم دمية غريزية ، تدعو للرثاء والسخرية بتصرفاتها الصبيانية ، حيث تأتي بخلق، وتنتهي عنه لفظيا لاغير !!

تحركت الظاهرة الاجتماعية في العرض ، بين المحور الجذاب والخصب للابنة الكبرى ( أديلا)  وهي تتفتح على اداء مفعم بالنشوة الفنية ، والمشع بهالة من فرح وصدق  ممثلة، تعرف كيف تقدم ذاكرة دورها ، بآنية معاشة ، لحظة بلحظة ، فيختلط ماضيها بحاضرها برهافة الفن الجميل ، وبتنغيمات صوتية وجسدية مميزة ( أدت الدور نادين جمعة ) .

برزت هيأتها الجمالية في الزي ( تصميم الأزياء جبر علوان) وهو من الفنانين التشكيليين العراقيين المغتربين ، والذي تقلقه كثيراً ، المعالجات النسوية في مظهرها ومخبرها ، وتراه شغوفا بعوالمها الرومانتيكية ، فتتفتح مسراته اللونية ، على طيات الأزياء ، وهو يوزع تفصيلاتها على اجساد ، وشفرات ، خاصة بهذه الممثلة او تلك ، ليصل الى منابع الأسرار ونوابض الفعالية الحميمية ، لكائنات كتب عليهن مكابدة محنة ملتبسة ، لم يخترنها.

صنعت لمساته ، مع اداء الممثلات ، تياراً من فرح ، معادلاً ، لإرادة العتمة المجتمعية المبتذلة.

مما حقق أهدافا إخراجية ، نراها واعدة مستقبلا في صنع عروض غنائية في روحها ، وتوقها الى الاحتفال بطقوس حياة يومية مشرقة ، بعيداً عن العذابات والأحزان ، والنكد الأسود.

أما الأخت الصغرى ( ماجدولينا) التي مثلتها ( أيفون هاشم ) فظهرت منطوية على نفسها ، وعبثا تحاول بمكائدها الصغيرة أن تثير حفيظة الأم على أختها الكبرى ، بتلفيق اتهامات ، وقصص ، أو بفضحها لأسرار أختها الحقيقية . ينتهي الخط الدرامي لهذا الدور ، بخلاف ما تظهره مقدماته ، فتنقلب من أنثى محتشمة ، ومحافظة ، ومتدبرة ، وناسكة الى طرف مغاير تماماً ، يدرك ويتقن فنون الهوى ، وكيفية ممارسته بحذاقة ، تفوق مهارته ، كل تلك التصرفات الشائنة لأختها واضحة السلوك ، بريئة الروح ، منسجمة مع سجيتها البشرية بلا لف او دوران.

أخت أبدت من مظاهر التعقيد ، ومجافاة الطبع السوي الكثير ، لكنها تباغت الجميع بسرا نيتها المخبوءة بدهاء أنثى معقدة ، منسحبة ، الى كائنة منبسطة ، وكائنة إنسانية تتقلب بين أطوار الشهوة والأنانية والخوف والأحجام والأقدام تبعا لتغير المواقف الحياتية المتباينة. حققت الممثلة مقتربات موفقة في تقديم إطار الدور ومحتواه ، بلباقة وتفاعل حيوي واضح .

ام حقودة ، ماحقة لحرية بناتها، باشرت هذه الوضعية الدرامية دورها في تنمية خزين العرض الوجداني والمعرفي ، وبتنظيم مادة العرض ، وأطرته بمثل هذا السلوك الأخرق ، الذي يثير السخرية سواء في تناقض تصرفاتها مع أقوالها ، او في ( النمر) الاستعراضية ، وهي تغني ( دويتـو ) اوبرالي هزلي مع الخادمـة .

حتى أفضى هذا الغلو الساخر الى عبث احياناً تتكرر فيه اللازمات الغنائية المضحكة العابرة حتى للضرورة الدرامية الخاصة ، برسم أفق هذه الشخصية " المتجبرة " و" البائسة " أيضا .

أفضت هذه السخرية من اجل السخرية الى تطمين القاعة ، وتحفيزها على شجب طغيان الأم ، والانحياز الى مواقف البنات ، ووجاهة تمردهن ، للتنفيس عن رغائب طبيعية ، حاولت الأم قسرها ، وسعت الى تحطيم إرادة بناتها ، بروحية ملفقة، وشكلية زائفة ، آيلة للفشل المحتوم . أثار هذا الموقف ضحك القاعة ، وقهقهاتها الهازئة بوقوف هؤلاء المتخلفين ، كما يصفهن العرض ، أمام تيارات الحياة النسوية المتحضرة التي وكلتها الفطرة بالإنسان الاعتيادي .

ويمكن اختزال الفعالية التمثيلية بالاتي :- أطربتنا البنت الكبرى ، وأعجبتنا الأخت الصغرى ( التي تنافح عن الفضيلة في العلن ، وتمارسها باستغراق كامل في السر) ، وأضحكتنا الأم  ، بتصرفاتها الشائنة ، الغريبة ( مثلتها جاهدة وهبي ) ظهرت بدور مغنية اوبرالية سابقة ، يغتني صوتها بطبقات عريضة ، وبقيم تعبيرية موسيقية ، ويقوم على خامة ثمينة عند الأداء ، يتساوق مع قدراتها التمثيلية.

أما ممثلة دور الخادمة ( مثلتها عايدة صبرا) فقد ورثت تقاليد الكوميديا الشعبية ، برقتها وفضاضتها ، وهي تقوم بواجب الحفاظ على سمعة المنزل ، بحراستها لبوابة الفضيلة المتوخاة !! لتحميها من ان دنس الرذيلة ، عرفت هذه الممثلة ، كيف تحافظ على إيقاع دورها الخلاق ، بقدراتها الارتجالية ، كما ان دورها هذا سيبقى ماثلا طويلا في الذاكرة ، لأنه ارتبط – ايضا- بتحولات المخرج الأسلوبية والمضمونية الخاص بالطابع الكوميدي للعرض ، بشكل عام .

ساهمت الجّدة ، وقد بلغت من العمر عتيا ( مثل الدور رفعت طربية ) قدمها على شكل امرأة صلعاء ، لم تجد ميدانا لممارسة حكمتها ، سوى حذقها بكل ما يتعلق بالشهوة والغريزة لدى الأنثى المراهقة !! وجاءت تعليقاتها الساخرة ، بمثابة كورس ساتيري ماجن يدور حول مهزلة عشق بيتية ، تعايش وقائعها يوميا ، وتطلق عليها الأحكام !

وهي لاترتضي الوشاية بين حفيداتها ، ولا تسكت عليهن ، وهن يتكذبن مع الخادمة ، على الأخت الكبرى ، ويشين بها الى سلطانة المنزل ( الأم ) لم يكن تمثيل هذا الرجل ، لدور أنثى ، منفرا ، قدر قربه من السخرية ، او المهزلة البشرية لهذا المنزل. نتذكر ونحن ننظر الى " المضحك " في العرض ، ماحسبه ( برجسون ) مّرة ، واحدة من آليات صناعة الكوميديا هو الانتقال من المعنوي ، الى المادي ، ففي مشهد مراسيم دفن الاب ، تنتقل الأم المفجوعة !! من الإشادة بفضائل الفقيد الراحل المعنوية ، وتحصي حسناته ، الى الغمز به ، والتشهير بطيشه مادياً ، لأنه كان عنيناً ، ومن ثم لعنه وهو رهين أبديته الصامتة .

توزع هذا الصراع المستديم بين أطراف المعادلة جميعها ، سواء في طريقة ارتداء الزي ، بشكل متهتك ونزوي ، او في المغالاة في الحفاظ على توهمات الشرف المفقودة تماماً ، لان إماتة العاطفية الجنسية بمثل هذا التعامل البغيض معها سيقلبها الى بنية مولدة لمشكلات اجتماعية صارخة في وضعية منافقة ، محابية للعرف العتيق ، أمام دفقات الحياة ، وسيولتها الدائمة ، باتجاه التجدد والنمو ، والخصب .

حفل مجرى الأحداث بسلسلة متصلة من الأفكار والأفعال والمواقف الدرامية الحادة ، والمدببة ، والمقعّرة التي كشفت عن غنى الجوانب الروحية – الداخلية ، للبطلات ، وفضحت المكبوتات والمشاعر الخاصة ، وعدم القدرة على لجم الغريزة بأسلحة معلولة ، متهافتة .

تتيح هذه الصراعات بدورها أيضا ، إمكانية تقويم موقف المتفرج نفسه ، لما يرى أمامه من وضعيتين متناقضتين فيفحص أدلة كل طرف على انفراد ، ويقوم بتحليل مواقفه ويجمع ما تناثر من انطباعات وآراء وأحكام ، في نسق واضح ، يشير الى اختبار هذه النفوس ، التي تتفوه بكلام يتعارض تماما مع استعدادها الواقعي ، لتجاوز تلك العقبات . عقبات مثل هذه ، لايمكن تجاوزها بمعالجات لفظية محتشمة ! لأنها موصولة بالتصرفات الإنسانية الغريزية المعبرة عن كينونة الإنسان نفسه حتى ان كان يفضح نفسه ، بفلتات اللسان ، او بما جاء على لسان الشخصية ، بأنها تنسى نفسها ، مع أول " عابر سرير " !!   هذا ما يصنع " معضلة " العرض ويقربها من أسلوب الكاتب " تشيخوف " الذي يدع البطل وجها لوجه مع المعضلة ، ليكتشف حقيقتها ووهمها معا وبالتالي ينتصر عليها فعليا ، حتى ان سحقته الأحداث السابقة او أعاقت إرادته الحّرة ، لأنه لم يكن لاهيا عما كان يدور في عالمه من احبولات ، ومكائد ، وحماقات .

البطلة ، بتعريها للمعضلة باتت منسجمة مع نفسها – تماما – في الوضعية الدرامية ، فيتحقق التجانس المنشود بين الفرد والمجموع ، مما يحفز المتفرج ، وهو الطرف الأخطر في المعادلة على لعب دور ( الجوقة ) ، بمثل ما وصف ( شليجل) مرة الجوقة في المسرح الإغريقي القديم ، وهي تقوم بدور مشاهد مثالي ، ونموذجي ، يعلق على الأحداث وهنا ، ينبغي على المتفرج المعاصر وهو يشاهد العرض أن يتخذ موقفا مما يرى ، ويسمع.

أراد الاسدي من متفرجه أن يشاطر الممثلين ، أفكارهم ويقّوم أدائهم ، ويفرز القيم الإنسانية الخيّرة من سواها ، وهو يصغي لحوارات الممثلات عن مدن مفجوعة ، محروقة ، ومرايا مهشمة ، وثيران مسلحة ، تأكل اخضر الحياة ويا بسها معا!!

وفّق العرض في توزيع مستوياته ، العليا ، المشغولة بتنظيف جدران المنزل ، والوسطى ، بما يتعلق بأسرار تقع خارج هذه الجدران ، والسفلى التي اشتغل عليها المخرج أكثر من سواها ، لأنها تتعلق بالبوح الحقيقي للممثلات ، وارتبطت بحركاتهن التشكيلية حول حركة الطاولة ، باستخداماتها المتنوعة ، وكشف مهارة المخرج في بناء علاقات محدّدة ، يضبط من خلالها مدركات الجمهور ، ويدفعها باتجاهات مرسومة ، تجمع بين الجوانب البصرية الحسّية ، مع القيم التعبيرية لمشاهد متدفقة الحركة ، وبتفضيلات جمالية ، توفر متعة المشاهدة ، لهذا الخيال الخلاق وهو يتجسد افعالاً ملموسة ومبرزة بطريقة مجسمّة ومنظورة بشفافية اللون والشكل والكتلــة .

 

 

 

 

 

 مختارات من أعمال رواد التشكيل العراقي

 

عطا صبري

أكرم شكري

اسماعيل فتاح الترك

بهيجة الحكيم

سعدي الكعبي

عاصم حافظ

 

 
 
       

 

الرئيسية  /  أبواب الموقع  /  كتاب مشاركون  /  من نحن  /  روابط لمواقع ثقافية  /  عن مؤسسة اتجاهات الثقافية  /  اتصل بنا

Telephone
00964 (0) 7901 789622
Postal address
P.O.BOX:
55478 Alawi post office - Baghdad - Iraq
Electronic mail
General Information: info@ittijahat.com
Webmaster: admin@ittijahat.com
 

Send mail to info@ittijahat.com with questions or comments about this web site.
Copyright © 2007 Attitudes S.A.C./ Baghdad- Iraq
Last modified: 12/20/08