في كل معالجة إخراجية جديدة " نرى جواد الاسدي " مفتونا بعوالم
النسوة ، وأسرارهن ، وكأنه يدخل أرضا بكراً ، وفضاءات حّرة نتلمس في
تجربته نساء السكس- فون " التباساً " يخص " العنوان" ، اذ لا علاقة "
للبورغونية" بموحيات العنوان التي تخطر لدينا لأول وهلة ، ولا صلة
لممارسة الفاحشة بوساطة ، الهاتف، لنسوة احترفن هذا النمط من البغاء
الاشهاري ، المعلن في التلفزيونات .
وما كان ( لوركا) الاسباني منشغلا في نص ( بيت برنارد البا) بهذا الضرب
من الاهتمامات ، بل كانت قضية المرأة المهضومة الحقوق ، بفعل جبروت
التقاليد ، وطغيان امّ تنذر نفسها ، وبناتها ، ضحايا قدرية ، لصيانة "
السمعة " الأسرية من ان تتلطخ بتقولات وشائعات تتعارض مع التقاليد
الأخلاقية المتداولة في المجتمعات المقفلة .
جواد نقل الاطروحة الخاصة بلوركا ، الى حقل بصري ، وإدراكي آخر ، وهو
لم يتعمد في مغايرته ، مشاكسة النص ، والتمرد على أنساقه المعروفة ،
انما حاول إعادة توزيع مشاهده بما يتلائم والمعمار المجتمعي للمتلقي
العربي ، و اللبناني بوجه خاص .
تجد في الشارع اللبناني ، قربا للنبض اليومي الحضاري العالمي ، في
تصرفات " النساء " ، اذ قطعت المرأة اللبنانية شوطاً محسوساً في ابراز
شخصيتها ، وتحقيق إرادتها الى هذا الحد او ذاك ، وناضلت لتجعل الوصاية
الفحولية ، اقل شراسة وهمجية .
وبالتالي تستأنف الممثلة اللبنانية ، هذا الدور الخلاق ، من غير إحساس
، بحراجة ما ، من متطلباتها الروحية والجسدية ، كالذي يكون عليه الحال
لدى جمهور عربي آخر أكثر سكونية ، ومحافظة ، لأنها غير ملزمة بوضع
أقنعة من النفاق الاجتماعي ، بل ذهبت الى الكشف عن أسرارها الشخصية
الخاصة ، وهي تستعيدها من سيرتها الحياتية الواقعية ، لتمنحها الى
شخصية " الدور " لاسيما الأشياء الحميمة الخاصة ببلوغها سن الرشد،
وإحساسها بالتغييرات الفسيولوجية التي تطرأ على تضاريس جسدها فتنتقل من
الطفولة الى نضج الأنثى ، المقبلة على المعاشرة ، والإنجاب ، وبناء
خلية اجتماعية جديدة للحياة ، كنت تحس بارتباك هذا الجسد الذي نضج على
حين غرة ، وكيف تبتلى صاحبته بفك هذه الطلاسم ، والأسرار ، ليشاركها
المتفرج في ورطتها الصريحة ، التي تكاد تكون " تسجيلية" توثق الحدث
للممثلة ، بمثل ما توثقه " للدور " الذي تلعبه ، وتبتكر إطاره التشريحي
الحديث.
أراد " المخرج " جواد الاسدي ، ان تتماهى الممثلة مع دورها ، بطريقة
استثنائية لان الوضعية الحضارية ، التي ناقشها " لوركا " هي وضعية
عالمية ، ويمكن تكييفها بطرائق محلية عدة ، وضعية خاصة باستغلال
المرأة ، وابتزازها على مدار الأزمنة التاريخية ، والأمكنة الجفرافية
المختلفة ، وبامكان مجتمعاتنا ان ترشح للدور الأوفر ابتزازاً وتدميراً
فالفسحة التي يتيحها النموذج اللبناني للخطاب ، أكثر مرونة من سواها في
مجتمعات عربية مناظرة ، فكيف يمكن لام ، مغنية أوبرا ، ان تقفل البيت
على " ابنتيها " بمعونة خادمة أمينة لكنها تتلصص على المغامرات السرية
للام نفسها ، والبنات ، وعجوز تسترق السمع للأهات والتأوهات العاطفية ؟
لهذا الجوق النسوي المحروم ، والمتعطش للحياة ، فتعري بذلك طبقات "
الحشمة " عن جمر الغرائز المتقد ، تحت الملابس ، والاسّرة ، والأفنية
الظلية ، التي تأويهن مع رجال من مقاسهن تماماً !! حتى ذكرى رحيل الزوج
، لاتخرج من المصيدة القهرية للجنس ! فهذا الأب الصنم الذي تدعي الأم
الحفاظ على هالته الكاسحة ، ماهو في حقيقته إلا ( عنّينـا) وعاجزاً
جنسياً وغداً ، أذاق الأم المحترمة ، الأمرين ، فهو يرتمي بين أحضان
عشيقته ، وينزو مثل تيس او قرد ، لكنه يتأبى على زوجته نفسها!!
ويتركها نهبا للهواجس والقلق والانكسار والحسرات ، ويفقدها الإحساس
بأنوثتها .
في هذا العرض ، انتقل جواد من مستوى معهود في أسلوبه الإخراجي الى
منعطف مختلف ، وان احتفظ ببعض لوازمه الإخراجية ، مثل ربط إيقاع العرض
الخارجي المتسارع مع الدوافع الداخلية للأبطال وبإظهار صوري متوتر
ومتصاعد يبحث عن حلول تشكيلية في الزي ، والهيأة ، والمشي ،
والإكسسوارات التي يشكلها النسق اللوني ، وهنا يسهم معه ( جبر علوان )
بتصميم الأزياء واختيار فصالاتها وألوانها ، وتوزيعها على أصناف النسوة
، كل حسب كينونتها الأنثوية الخاصة ، مع مؤثرات صوتية وغنائية ساندة.
الاسدي ، ينتقل من غنائية " الحزن " وثقل الهموم ، الى محور جديد نسميه
غنائية " الفرح " !! فهو - الآن - لا يقدم بطلة مذعنة ، مستكينة
مستسلمة ، بل أنثى ، تجد آلاف الطرق للخروج من " المأزق " الذي تصطنعه
الأم ، لبناتها هاتيك !! فهي ، تعلنها صريحة ، وبالفم المليان ، إنها
متمردة على الوصايا الميتة ، ولا تعرف إلا خياراتها ، وما يميله عليها
شغفها بالحياة ، وعشقها للمغامرة ، وتفتحها مع إيقاعات الليل والنهار
وشموس اليقظة ، وأقمار الرومانسية ، وتعيد سرد قصة جسدها ، على مسمع
من الجميع ، ولا تخجل من إبراز خصوصيات هذا " التحول " وتمظهراته
الحتمية ، التي غالباً ما تتعدها الفتيات بالتستر والكتمان! إنها لا
تجد في البوح هذا أية غضاضة ، وبالتالي ، هذا الدأب من الحفر في (
اركيوجيا الجسد ) هو ذاته مايستهوي الاسدي ، وكأن العالم ، تختزله
معادلة جنسية كونية متفجرة ، الى شظايا ، ومنها هذه الكينونات المسرحية
، التي حركها بنابض شبقي مشتعل ، لا تصده حواجز ، او تكبحه ارادات
مضادة لطغيانه العارم.
المتغيرات الواقعية في طريقة الإنتاج المسرحي للاسدي تحكمت حتى
بمتغيراته الروحية فتجربة ان تمتلك مسرحا خاصا بك ، وفي بلد متحضر مثل
لبنان ، وان تخاطب " بيروتيا" لايمكن ان تكتفي بمعالجات مهرجانية ، او
تخاطب نخبة من المحكمين المختصين بفنون الدراما والعرض ، مثل هذه
التجربة تتطلب آليات وأهداف من نمط مغاير ويتعين عليك ان تبحث عن صواعق
جديدة وان تكشف قوتّها بأكبر من قوة الشارع ، مئات المرات ، فأنت لا
تخاطب جمهوراًُ متزمتاً ، او متحرجاً من هذا الخطاب النسوي المفتوح ،
والمكشوف عن أقصى أسراره ومضمراته بل ان الشارع نفسه يجود عليك بغرائب
، وطرائد ، لم تخطر على البال احياناً !!
هذه الضواغط من المهيمنات المستحدثة ، ربما استجاب لها جواد بتخطيط
واعٍ ، وبعضه غير واع ، لان الجمهور اللبناني النمطي ، يبحث عن " ثقافة
" مسرحية خاصة باكتشافاته الذاتية وهو يريد ان يتمتع بالمعنى الحسي ،
والغريزي – ايضا- لأنه غادر منطقة الوصايا ، ومسرد التحريمات ، وهو
يبتهج للنكتة ، والطرفة ويريد تعميق هذا الإحساس بالفكاهة ، وبالحدود
التي يفضلها ابن حاضرة عربية ، لكنها حافلة بالروح البشري العام وموارة
باختلاط العوالم وتفاعل الأجناس ، والأعراق ، والديانات ، مما وفرّ
أرضية صالحة . يجوس عليها ، بشر متفردون بذواتهم الخاصة ، ونوعياتهم
المتمدينة ، المهذبة بفعل التقاء الثقافات و تقاطعها ، وتفاعلها الخلاق
، هذه الأرضية الغنية للجمهور هي الأساس المحفز للإشكال الإخراجية
المبتكرة .
لجواد الاسدي في البحث عن" الكوميدي" في نصّ لوركا ، المعاد إنتاجه ،
يقتضي خلق حبكة فرعية ، متوازية مع النسيج الرئيس للعرض الذي يقدّم لنا
أطراف حكاية ، تهزأ تماماً من هيمنة الأم ، وبالتالي افقدتنا منذ
البداية مرجعية الصرامة المخيفة ، وظهرت لنا ، وكأنها نوع من "
البرلسك" والسخرية المعقبة بطريقتها التهريجية على اصل فيه بعض من
الجدية ، لكنها غير الموصولة بالحبكة المأساوية التراجيدية ، انما هي
مقترح فضائحي ، لا تجد بين أطرافه من يخيف الآخر فعلاً ، اذ بدت لنا
الأم دمية غريزية ، تدعو للرثاء والسخرية بتصرفاتها الصبيانية ، حيث
تأتي بخلق، وتنتهي عنه لفظيا لاغير !!
تحركت الظاهرة الاجتماعية في العرض ، بين المحور الجذاب والخصب للابنة
الكبرى ( أديلا) وهي تتفتح على اداء مفعم بالنشوة الفنية ، والمشع
بهالة من فرح وصدق ممثلة، تعرف كيف تقدم ذاكرة دورها ، بآنية معاشة ،
لحظة بلحظة ، فيختلط ماضيها بحاضرها برهافة الفن الجميل ، وبتنغيمات
صوتية وجسدية مميزة ( أدت الدور نادين جمعة ) .
برزت هيأتها الجمالية في الزي ( تصميم الأزياء جبر علوان) وهو من
الفنانين التشكيليين العراقيين المغتربين ، والذي تقلقه كثيراً ،
المعالجات النسوية في مظهرها ومخبرها ، وتراه شغوفا بعوالمها
الرومانتيكية ، فتتفتح مسراته اللونية ، على طيات الأزياء ، وهو يوزع
تفصيلاتها على اجساد ، وشفرات ، خاصة بهذه الممثلة او تلك ، ليصل الى
منابع الأسرار ونوابض الفعالية الحميمية ، لكائنات كتب عليهن مكابدة
محنة ملتبسة ، لم يخترنها.
صنعت لمساته ، مع اداء الممثلات ، تياراً من فرح ، معادلاً ، لإرادة
العتمة المجتمعية المبتذلة.
مما حقق أهدافا إخراجية ، نراها واعدة مستقبلا في صنع عروض غنائية في
روحها ، وتوقها الى الاحتفال بطقوس حياة يومية مشرقة ، بعيداً عن
العذابات والأحزان ، والنكد الأسود.
أما الأخت الصغرى ( ماجدولينا) التي مثلتها ( أيفون هاشم ) فظهرت
منطوية على نفسها ، وعبثا تحاول بمكائدها الصغيرة أن تثير حفيظة الأم
على أختها الكبرى ، بتلفيق اتهامات ، وقصص ، أو بفضحها لأسرار أختها
الحقيقية . ينتهي الخط الدرامي لهذا الدور ، بخلاف ما تظهره مقدماته ،
فتنقلب من أنثى محتشمة ، ومحافظة ، ومتدبرة ، وناسكة الى طرف مغاير
تماماً ، يدرك ويتقن فنون الهوى ، وكيفية ممارسته بحذاقة ، تفوق مهارته
، كل تلك التصرفات الشائنة لأختها واضحة السلوك ، بريئة الروح ، منسجمة
مع سجيتها البشرية بلا لف او دوران.
أخت أبدت من مظاهر التعقيد ، ومجافاة الطبع السوي الكثير ، لكنها تباغت
الجميع بسرا نيتها المخبوءة بدهاء أنثى معقدة ، منسحبة ، الى كائنة
منبسطة ، وكائنة إنسانية تتقلب بين أطوار الشهوة والأنانية والخوف
والأحجام والأقدام تبعا لتغير المواقف الحياتية المتباينة. حققت
الممثلة مقتربات موفقة في تقديم إطار الدور ومحتواه ، بلباقة وتفاعل
حيوي واضح .
ام حقودة ، ماحقة لحرية بناتها، باشرت هذه الوضعية الدرامية دورها في
تنمية خزين العرض الوجداني والمعرفي ، وبتنظيم مادة العرض ، وأطرته
بمثل هذا السلوك الأخرق ، الذي يثير السخرية سواء في تناقض تصرفاتها مع
أقوالها ، او في ( النمر) الاستعراضية ، وهي تغني ( دويتـو ) اوبرالي
هزلي مع الخادمـة .
حتى أفضى هذا الغلو الساخر الى عبث احياناً تتكرر فيه اللازمات
الغنائية المضحكة العابرة حتى للضرورة الدرامية الخاصة ، برسم أفق هذه
الشخصية " المتجبرة " و" البائسة " أيضا .
أفضت هذه السخرية من اجل السخرية الى تطمين القاعة ، وتحفيزها على شجب
طغيان الأم ، والانحياز الى مواقف البنات ، ووجاهة تمردهن ، للتنفيس عن
رغائب طبيعية ، حاولت الأم قسرها ، وسعت الى تحطيم إرادة بناتها ،
بروحية ملفقة، وشكلية زائفة ، آيلة للفشل المحتوم . أثار هذا الموقف
ضحك القاعة ، وقهقهاتها الهازئة بوقوف هؤلاء المتخلفين ، كما يصفهن
العرض ، أمام تيارات الحياة النسوية المتحضرة التي وكلتها الفطرة
بالإنسان الاعتيادي .
ويمكن اختزال الفعالية التمثيلية بالاتي :- أطربتنا البنت الكبرى ،
وأعجبتنا الأخت الصغرى ( التي تنافح عن الفضيلة في العلن ، وتمارسها
باستغراق كامل في السر) ، وأضحكتنا الأم ، بتصرفاتها الشائنة ،
الغريبة ( مثلتها جاهدة وهبي ) ظهرت بدور مغنية اوبرالية سابقة ، يغتني
صوتها بطبقات عريضة ، وبقيم تعبيرية موسيقية ، ويقوم على خامة ثمينة
عند الأداء ، يتساوق مع قدراتها التمثيلية.
أما ممثلة دور الخادمة ( مثلتها عايدة صبرا) فقد ورثت تقاليد الكوميديا
الشعبية ، برقتها وفضاضتها ، وهي تقوم بواجب الحفاظ على سمعة المنزل ،
بحراستها لبوابة الفضيلة المتوخاة !! لتحميها من ان دنس الرذيلة ، عرفت
هذه الممثلة ، كيف تحافظ على إيقاع دورها الخلاق ، بقدراتها الارتجالية
، كما ان دورها هذا سيبقى ماثلا طويلا في الذاكرة ، لأنه ارتبط – ايضا-
بتحولات المخرج الأسلوبية والمضمونية الخاص بالطابع الكوميدي للعرض ،
بشكل عام .
ساهمت الجّدة ، وقد بلغت من العمر عتيا ( مثل الدور رفعت طربية ) قدمها
على شكل امرأة صلعاء ، لم تجد ميدانا لممارسة حكمتها ، سوى حذقها بكل
ما يتعلق بالشهوة والغريزة لدى الأنثى المراهقة !! وجاءت تعليقاتها
الساخرة ، بمثابة كورس ساتيري ماجن يدور حول مهزلة عشق بيتية ، تعايش
وقائعها يوميا ، وتطلق عليها الأحكام !
وهي لاترتضي الوشاية بين حفيداتها ، ولا تسكت عليهن ، وهن يتكذبن مع
الخادمة ، على الأخت الكبرى ، ويشين بها الى سلطانة المنزل ( الأم ) لم
يكن تمثيل هذا الرجل ، لدور أنثى ، منفرا ، قدر قربه من السخرية ، او
المهزلة البشرية لهذا المنزل. نتذكر ونحن ننظر الى " المضحك " في العرض
، ماحسبه ( برجسون ) مّرة ، واحدة من آليات صناعة الكوميديا هو
الانتقال من المعنوي ، الى المادي ، ففي مشهد مراسيم دفن الاب ، تنتقل
الأم المفجوعة !! من الإشادة بفضائل الفقيد الراحل المعنوية ، وتحصي
حسناته ، الى الغمز به ، والتشهير بطيشه مادياً ، لأنه كان عنيناً ،
ومن ثم لعنه وهو رهين أبديته الصامتة .
توزع هذا الصراع المستديم بين أطراف المعادلة جميعها ، سواء في طريقة
ارتداء الزي ، بشكل متهتك ونزوي ، او في المغالاة في الحفاظ على توهمات
الشرف المفقودة تماماً ، لان إماتة العاطفية الجنسية بمثل هذا التعامل
البغيض معها سيقلبها الى بنية مولدة لمشكلات اجتماعية صارخة في وضعية
منافقة ، محابية للعرف العتيق ، أمام دفقات الحياة ، وسيولتها الدائمة
، باتجاه التجدد والنمو ، والخصب .
حفل مجرى الأحداث بسلسلة متصلة من الأفكار والأفعال والمواقف الدرامية
الحادة ، والمدببة ، والمقعّرة التي كشفت عن غنى الجوانب الروحية –
الداخلية ، للبطلات ، وفضحت المكبوتات والمشاعر الخاصة ، وعدم القدرة
على لجم الغريزة بأسلحة معلولة ، متهافتة .
تتيح هذه الصراعات بدورها أيضا ، إمكانية تقويم موقف المتفرج نفسه ،
لما يرى أمامه من وضعيتين متناقضتين فيفحص أدلة كل طرف على انفراد ،
ويقوم بتحليل مواقفه ويجمع ما تناثر من انطباعات وآراء وأحكام ، في نسق
واضح ، يشير الى اختبار هذه النفوس ، التي تتفوه بكلام يتعارض تماما مع
استعدادها الواقعي ، لتجاوز تلك العقبات . عقبات مثل هذه ، لايمكن
تجاوزها بمعالجات لفظية محتشمة ! لأنها موصولة بالتصرفات الإنسانية
الغريزية المعبرة عن كينونة الإنسان نفسه حتى ان كان يفضح نفسه ،
بفلتات اللسان ، او بما جاء على لسان الشخصية ، بأنها تنسى نفسها ، مع
أول " عابر سرير " !! هذا ما يصنع " معضلة " العرض ويقربها من أسلوب
الكاتب " تشيخوف " الذي يدع البطل وجها لوجه مع المعضلة ، ليكتشف
حقيقتها ووهمها معا وبالتالي ينتصر عليها فعليا ، حتى ان سحقته الأحداث
السابقة او أعاقت إرادته الحّرة ، لأنه لم يكن لاهيا عما كان يدور في
عالمه من احبولات ، ومكائد ، وحماقات .
البطلة ، بتعريها للمعضلة باتت منسجمة مع نفسها – تماما – في الوضعية
الدرامية ، فيتحقق التجانس المنشود بين الفرد والمجموع ، مما يحفز
المتفرج ، وهو الطرف الأخطر في المعادلة على لعب دور ( الجوقة ) ، بمثل
ما وصف ( شليجل) مرة الجوقة في المسرح الإغريقي القديم ، وهي تقوم بدور
مشاهد مثالي ، ونموذجي ، يعلق على الأحداث وهنا ، ينبغي على المتفرج
المعاصر وهو يشاهد العرض أن يتخذ موقفا مما يرى ، ويسمع.
أراد الاسدي من متفرجه أن يشاطر الممثلين ، أفكارهم ويقّوم أدائهم ،
ويفرز القيم الإنسانية الخيّرة من سواها ، وهو يصغي لحوارات الممثلات
عن مدن مفجوعة ، محروقة ، ومرايا مهشمة ، وثيران مسلحة ، تأكل اخضر
الحياة ويا بسها معا!!
وفّق العرض في توزيع مستوياته ، العليا ، المشغولة بتنظيف جدران المنزل
، والوسطى ، بما يتعلق بأسرار تقع خارج هذه الجدران ، والسفلى التي
اشتغل عليها المخرج أكثر من سواها ، لأنها تتعلق بالبوح الحقيقي
للممثلات ، وارتبطت بحركاتهن التشكيلية حول حركة الطاولة ،
باستخداماتها المتنوعة ، وكشف مهارة المخرج في بناء علاقات محدّدة ،
يضبط من خلالها مدركات الجمهور ، ويدفعها باتجاهات مرسومة ، تجمع بين
الجوانب البصرية الحسّية ، مع القيم التعبيرية لمشاهد متدفقة الحركة ،
وبتفضيلات جمالية ، توفر متعة المشاهدة ، لهذا الخيال الخلاق وهو يتجسد
افعالاً ملموسة ومبرزة بطريقة مجسمّة ومنظورة بشفافية اللون والشكل
والكتلــة .