مختارات من أعمال رواد التشكيل العراقي

 

حافظ الدروبي

أكرم شكري

اسماعيل فتاح الترك

سعد شاكر

سعد الطائي

فايق حسن

مختارات من أعمال الفنان عبد الرزاق ياسر في معرضه السابع على قاعة مدارات 18 10 2008

 

 

 

 

 

 
 

 

 

صحيفة أسبوعية، تعنى بشؤون الثقافة والمجتمع                                       تصدر من بغداد، عن مؤسسة اتجاهات الثقافية........و بأقلام حرة

اتصل بنا

عن مؤسسة اتجاهات

روابط لمواقع ثقافية من نحن كتاب مشاركون أبواب الموقع

الرئيسية

 

 

 

د. راجي عبدالله السهلان

 مسرح بريشت

 د.راجي عبد الله السهلان            

إن قيام الأنظمة التي تتبنى الإشتركية في أوربا , قد ساهم مساهمة فعالة في نهضة المسرحية التعليمية, وقد أسفر ذلك عن ظهور مسرحيات ذات مستوى جيد مثل مسرحية البرجوازيون لمكسيم غوركي ومسرحية الهدف البعيد Distant Point للكاتب أفينوجنيف .

غير أن المسرحيات التعليمية لبرتولد بريشت Bertold Brecht التي سميت أيضاً بالمسرح الملحمي تقف في مقدمة هذا النوع من الفنون .

وللحقيقة يمكن القول بأن مسرح برشت يحتاج بحد ذاته إلى بحث مستفيض لسعته وشموليته وأهميته .

لكن على الرغم من أن هذا البحث يتناول ظواهر مسرحية شتى , فإن ذلك لا يمنع من التعمق أكثر في ذكر أهم النقاط التي يرتكز عليها هذا المسرح :

إن أهم ما تتميز به مسرحيات برشت هو تأكيدها الدائم على الرؤية المتفائلة في ظرف صعب ومعقد , وفي هذا المجال لابد من الإشارة إلى أهمية نظريته الجديدة التي سماها الباحث الألماني فالتر بنيامين Walter Benjamin ( الموضوعية الحديثة )إعتماداً على تحليله لمسرحية ( أوبرا القروش الثلاثة) . فبرتولد برشت أراد أن يرينا في هذه المسرحية فناً جديداً لجمهور جديد , كاشفاً بذلك عن معالم الفوضى والإضطراب في هذا العالم القائم الذي نحياه .

وهكذا فإن رفض بريشت لأي نظام قائم على قوانين الإستغلال , قد أوصله إلى رأي مسرحي يفيد( بأن من واجب الكاتب المسرحي تغيير العالم وعدم الإكتفاء بوصفه ) .

- 25 -

وقد يكون مفيداً إدراج ماكتبه في مقدمة مسرحية القاعدة والإستثناء التي كتبها عام 1930 للدلالة على الرأي أعلاه :

 

 

( وراء العادي إكتشفوا المبهم

وراء القانون إكتشفوا العبث

في زمن تتحكم فيه الفوضى وتسيل الدماء

وتسيطر الحيرة ويشكل الإعتباط قانوناً وتتخلى الإنسانية عن إنسانيتها

في هذا الزمن لاتقل أبداً : هذا طبيعي

حتى لايصير العالم ثابتاً ) .

 

 

ولم يقتنع برتولد بريشت , الكاتب والمخرج والممثل , بشكل نهائي كامل بكل أعماله , فكان دؤوباً على رفض كل الأساليب الجامدة والجاهزة في كتاباته المسرحية وعروضه , مما جعله يلجأ إلى التشذيب والتصحيح في المشاهد المكتوبة والمنجزة على خشبة المسرح .

كل ذلك لم يأت بمحض الصدفة , بل تأتى من خلال التجارب الكثيرة التي مر بها , مستفيداً بذلك من منهج ( بيسكاتور ) الفكري الجمالي وطوره من خلال تجاربه على المسرح الجديد .

إذن هو مسرح يحاكي الواقع ويتمرد عليه , ونظريته مغايرة تماماً لنظرية الواقعية التي أسسها ستانسلافسكي , فهما مختلفان تماماً , ولهذا يصعب القول بأن هنالك أي نوع من التقارب بين مسرح بريشت الألماني وبين مسرح ستاسلافسكي الروسي .

 

- 26 -

وفي الحقيقة كانت ثورة بريشت على الواقعية بإعتبارها الحركة التي أدت إلى فصل

الأدب المسرحي ( الدراما ) عن فن المسرح , وهي تلك الثورة التي لاتنفصل عن ثورة الفنانين التعبيرين الألمان .

لكنها كانت في جوهرها تمرداً على النظرة التقليدية إلى الإنسان وشخصيته بإعتبارهما جزء لايتجزأ , فكل منهما يكمل الآخر .

بيد أن المشكلة التي وقع فيها بعض منظري المسرح هو تركيزهم على أعماله النقدية وكتاباته أكثر مما يفعله .

وقد تنبه هو إلى هذا الخطأ فكتب موضوعاً عام 1953 أي قبل وفاته بثلاث سنوات قال فيه :

( التفسيرات التي أقدمها لمسرحي , بل وكثيراً من الأحكام التي بنيت على هذه التفسيرات لا تتناول نصوص المسرحيات التي كتبتها , قدر ما تتناول المسرح الذي يتخيل النقاد أنني كتبته حين يقرأون دراساتي النظرية . والواقع أن نظرياتي أبسط مما يتصور الكثيرون . ولكن هذه البساطة لا تتضح للقارئ بسبب التعقيد الذي إتسمت به كتاباتي النقدية ) .

لكننا عرفنا هذا المسرح بعد أن كانت الواقعية قد إنتشرت إنتشاراً كبيراً في أوربا واميركا , كذلك من خلال إزدهار السينما الواقعية, ثم سيطرة التلفزيون على ذهن المشاهد بما يحمله من أفكار إعلامية دعائية تعتمد أيضاً على الواقعية .

وعليه فقد أصبح المخرج المسرحي ينتظر من كاتب النص أن يهتم بالجانب الأدبي على حساب جوانب العرض المسرحي .

هذا هو الحال السائد في عصر بريشت الذي صدم في مطلع حياته الفنية , بعد أن رأى هذا الإنفصال الكبير بين المسرح الذي تقدمه الإعمال الواقعية الكبيرة وبين المسرح الجديد .

بيد أن بريشت لم يكن يحارب الواقعية لمجرد أنها واقعية , بل بسبب كونها كانت

- 27 -

تؤدي إلى تثبيت أنماط مسرحية معينة دون أي تغيير .

كما أنه عندما تمرد على المسرح ألأرسطي ( أي المسرح الكلاسيكي القديم ) الذي كان أرسطو يحدد ملامحه , كان يتمرد على معنى الدراما التي وصلتنا منذ ذلك التاريخ .

وبالإستناد إلى رؤياه الفكرية والفلسفية فقد أراد بريشت أن يغير هذا الواقع المفروض , من خلال تغيير نوعية السوك الإجتماعي الذي لا يمكن تغيره , إلا إذا تغير نوع التفكير البشري عن طريق تفعاله مع محيطه بطريقة مختلفة عن السابق . وكان هذا يستلزم منه أن ينقض فكرة المسرح الكلاسيكي ( الفنية ) عن ثبات الإنسان وثبات شخصيته , لأن الإنسان قابلاً للتغيير ومن ثم قابلاً للتغير , أي أنه يؤثر ويتأثر .

وعليه فإنه غالباً ما يستند إلى هذه النظرية من مسرحية يكتبها إلى أخرى , مؤكداً أن الطبيعة الإنسانية يجب أن تتغيير لأن الظروف قد تغييرت , وإن أفكار الإنسان ومشاعره يجب أن تكون منسجمة مع تلك المتغييرات .

لذلك كان يريد من أبطال مسرحياته أن يظهروا أن الأوضاع القائمة بمجملها , يمكن أن تتغير وتتطور لأنها من صنع الإنسان .

هكذا كان يفكر ويصرح في بداية حياته المسرحية عام 1931 . حيث كتب يقول :

( اليوم وقد أصبح من اللازم إعتبار الشخصية الإنسانية حصيلة الأوضاع الإجتماعية القائمة , نرى أن الشكل الملحمي هو الشكل الأوحد الذي يستطيع أن ينظم جميع العمليات الإجتماعية, وهي التي تشكل في الدراما - المادة - التي تمثل العالم خير تمثيل ) .

وإنطلاقاً من هذا فإن بريشت لا يستطيع أن يقدم شخصيات خيالية أو غريبة ليست واقعية , لأن هذا سيؤدي حتما إلى حالة من التناقض بين ما يسعى إلى تحقيقه بنظريته وبين رؤيته إلى الواقع الإنساني وتعامله معه .

- 28 -

لذلك فإنه نجح أيضاً في إيجاد وسيلة وطريقة أخرى للتعامل مع المسرحية نفسها , كذلك في تأصيل العلاقة الحيوية بين المتفرج والجمهور , تلك العلاقة التي تختلف كلياً عن العلاقة القديمة التي كانت سائدة من قبل والتي تعتمد على الأدب المسرحي في تحديد وسائل العرض المسرحي , مثل تلك الوسائل والتقاليد التي كانت سائدة في العصر الإليزابيثي في بريطانيا , حينما كان الجمهور يتفاعل مع العرض المسرحي , وفي نهايته ينزل الممثلون إلى الصالة ليتحدثوا مع الجمهور ويستمعوا إلى الملاحظات التي يبديها عن العرض .

كما إنه إستفاد من إستخدام الجوقة ( الكورس ) التي كانت إحدى أهم ركائز المسرح اليوناني , كذلك من عمل المهرجين في السيرك والكرنفالات الشعبية التي كانت تقام في مدن ألمانية عدة , إلى جانب إستفادته من العروض الصينية والهندية واليابانية .

لقد كان يهدف من وراء ذلك إلى كسر الإندماج العاطفي بين الممثل والجمهور من ناحية , وكسر الإندماج بين الممثل ودوره أيضاً .

إنها حالة من السيطرة الكاملة على الدور وعلى الجمهور , بطريقة علمية مدروسة ليس فيها أية حالة قسرية مفتعلة .

وعليه فإن على المتفرج أن يتساءل دائماً عن الذي يجري أمامه , ليس بإعتباره حدثاً واقعياً , بل ربما لم يحدث على الإطلاق ولن يحدث في المستقبل , لكنها مجرد أسئلة لرفع مستوى التلقي عند المتفرج لا لتخديره .

والجدار الرابع الوهمي في المسرح التقليدي , الذي يفصل الممثل عن جمهوره لا مكان له في مسرح بريشت على الإطلاق , ذلك الذي يجعل الأحداث التي تجري على الخشبة منفصلة عن الصالة , ويكون المتفرج عبارة عن إنسان يسترق النظر والسمع إلى حدث قد يهمه أولا يهمه .

لذلك فإن بريشت قد حطم هذا الوهم بتحطيمه الجدار الرابع ذلك الذي يؤدي إلى

- 29 -

الإنفصال اللاواعي بين المتفرج والفعل المسرحي .

هنا ينبغي على المخرج حسب رأي بريشت أن يعتمد على فنون المسرح الشامل , من غناء ورقص وموسيقى وغيرها لكي يشرك الجمهور في العرض ويمنعهم من إلى الولوج في وهم الواقعية والشخصية والحدث . كل ذلك يتطلب أيضاً ممثلاً شاملاً يجيد كل أنواع الفنون أو أن يتدرب عليها بإستمرار .

لكن المشكلة التي وقع فيها مسرح بريشت هو تركيزه على إلغاء عامل - الزمان - الآني المباشر فقط , حين يريد التعبير عن الحدث الواقعي الذي تحول إلى حدث وهمي . حيث كتب المقولة التالية في كتابه - مقالات في المسرح - المترجم للغة الإنكليزية :

( بأن ما يحدث على المسرح الآن لا يحدث الآن حقاً بل حدث في الماضي في زمان ومكان محدد ) ويضيف قائلاً :

( على المتفرجين أن يستريحوا في مقاعدهم ويسترخوا ويتأملوا الدروس التي يمكن ان يتعلموها مما حدث في الماضي السحيق تماماً , مثل النظارة الذين سمعوا أناشيد الشعراء الذين تغنوا بأفعال الأبطال في قصور ملوك اليونان والعظماء السكسانيين , بينما كان الضيوف منهمكين في الأكل والشرب ) .

من هنا جاء الفصل بين الحدث والجمهور وأستنبطت فكرة المسرح الملحمي , لأن فيه عودة سحيقة إلى الماضي وما جرت فيه من أحداث كثيرة متناقضة .

والسؤال الذي يطرح نفسه :

هل المسرح الملحمي هو مسرح تاريخي ؟ بمعنى أنه يذكر المتفرجين بإستمرار بالأحداث التي وقعت في الماضي من خلال تقديم " صوراً حية للأحداث التاريخية والخيالية بين البشر " ( نفس المرجع السابق الذي ورد في النص الإنكليزي ص 110 ) .

والخطأ هنا واضح في إستخدام تعبير - الملحمية - على أحداث تعاد صياغتها من

- 30 -

جديد دون أن تلتزم بقواعدها وأصولها , وأن تقدم كما هي دون زيادة أو

نقصان ) .

ربما يعود ذلك إلى أن بريشت قد إستخدم هذا المصطلح في مراحل بداية عمله الفني وحاد عنه بعد ذلك .

وهنا لابد من التوقف قليلاً عند الملحمة وتحليل أبعادها كي نتبين مدى العلاقة بين التعبير أعلاه ألذي إستخدمه بريشت وبينها :

فالملحمة في تفسيرها البسيط هي قصة شعرية أو رواية تعتمد على الشعر أوالنثر الرفيع , وترتكز على سيرة الابطال من البشر الذين كان لهم تأثير بليغ على حياة شعوبهم وأممهم , كما أنها تركز أيضاً على منجزاتهم الإنسانية العظيمة التي أثرت في شعوبهم وجعلتهم يتذكرونها جيلاً بعد جيل , مما سبب ذلك في حفظها عن ظهر , نتيجة الرواية الشفاهية التي ساهمت مساهمة فعالة في الحفاظ عليها وديمومتها قبل ظهور التدوين .

لذلك فإنها تتميز بالعديد من الحبكات والمواقف , بعضها خيالي - بالمفهوم العصري - وبعضها يمكن النظر إليه من خلال الواقع برؤية موضوعية .

كما أن الملحمة تعتبر من ركائز المسرح الكلاسيكي , إذ أنها ساهمت بعد سنوات عدة بظهور كتاب يونانين عظماء ,إستناداً إلى البلاغة الشعرية في المسرح الكلاسيكي الذي تمرد عليه بريشت .

فهل تحول هذا المفهوم الإنساني لديه من مفهوم البطل الفردي إلى البطل الجماعي وهو المجتمع وما يوجد فيه من بشر ؟

أضف إلى ذلك فإن مسرحه يرفض الدخول في تلك التفصيلات الفرعية التي تدخل فيها الملحمة , مثل الخوارق والمعجزات , كما هو موجود في ملحمة الإلياذة والأوديسا ( لهوميروس ) أو النزول إلى العالم السفلي كما في ملحمة ( كلكامش ) . أيضاً أن مسرحه لا يؤمن قطعاً ( بالميتافيزيقيا ) أي علم ما وراء

- 31 -

الطبيعة أوالأشياء . إذن ماهو السبب الذي دفعه لإختيار هذه النظرية الجديدة والسير عليها في العمل المسرحي ؟

إن تركيبة الملحمة التي تتسع لأحداث عدة ومتناقضة أحياناً , والقطع الذي يستخدمه الشاعر في ملحمته لوصف الأحداث اللاحقة والتعليق عليها في الكثير من الأحيان , قد يكون هو السبب الذي جعله يستخدم نفس المصطلح في نظريته المسرحية .

علاوة على ذلك أن الملحمة كانت من أهم الآثار الأدبية والسير الإنسانية التي كانت تعتز بها تلك الشعوب التي عاشت ومضت بإعتبار أنها جزء لا يتجزأ من حياتها الخاصة والعامة .

وإذا تتبعنا الملاحم الحديثة التي جاءت بعد تلك الملاحم القديمة بقرون عدة , والتي ولدت قبل عصر النهضة , ومنها - ملحمة الكوميديا الإلهية - لدانتي الشاعر الذي أطلق عليه الكاتب الألماني أورباخ في كتابه ( دانتي شاعر هذه الدنيا ) , أي أنه الإنسان الذي يتمتع بخصائصه الفكرية الفردية التي يتميز بها عن البقية , مما أتيح له أن يعيد للبشرية عمقهما التاريخي ومقدار قيمتها الإنسانية التي تناقلتها عبر العصور, من خلال اساطير أو رموز فكرية أو غيبية .

وهكذا هو الحال أيضاً في ملحمة ( الفردوس المفقود ) للشاعر الإنكليزي الكبير جون هيلتون الذي سجل في ملحمته القيم الإنسانية المتوارثة عبر العصور .

ومع أن بناء هذه الملاحم الحديثة يختلف من ناحية النظم والتصوير عن الملاحم القديمة , فإنها تشترك معها في نفس الطروحات المذهبية الكلاسيكية القديمة في التركيز على عقل الفرد وتفكيره , بأعتباره المجال الرحب لصراع الإنسان مع قوى الكون سواء كان خارقة أو لم تكن .

إن هذه الموضوعات التي طرحت تدعوا المخرج إلى التفكير بها بالضرورة ,إذا أراد إخراج مسرحية من مسرحيات بريشت التي سميت المسرحيات ( الملحمية ) ,

- 32 -

أو حتى تلك التي سميت أيضاً بالمسرحيات ( التعليمية ) .

إذ إن دراسة النقائض التي ترتكز عليها أية نظرية ستعطي المخرج الفرصة الحقيقية للتعامل مع تلك النقائض ,على أساس الإكتشاف الجديد للحقائق المسرحية التي لا بد له من طرحها في عمله المسرحي , وعليه فإن تتبع تلك الأعمال المسرحية التي كان يقدمها مسرح " البرلينر إنسامبل" الذي أسسه بريشت توصلنا إلى أنه قد أعلن فيه فكرته الملحمية .

فإبتداء من مسرحية ( باك ) عام 1918 , نجد أن بريشت قد أعلن فيها رفض كل الاشكال الفنية السائدة والمعترف بها في العالم , بلغة جميلة حافلة بالصور والموسيقى على حد قول الناقد البريطاني مارتن أسلن .

كما أن بريشت في مسرحية ( طبول في الليل ) سخر أيضاً من فكرة البطولة , وإختار له بطلاً يعرف نفسه بأنه دنيء ويرضى بتلك الدناءة الكامنة في نفسه .

أما في مسرحية القاعدة والإستثناء التي كتبها عام 1930 والتي إجتزأت مقطعاً منها سابقاً , كانت تسمى في الحقيقة مسرحية - الطريق - ثم غير إسمها بعد ذلك , فإننا نجد فيها أن منهجية بريشت تتضح تماماً بما لايقبل الشك , بعد تخطيه مرحلة الأعمال السابقة وصولاً إلى هذه المسرحية التي يقول في نهايتها على لسان القاضي :

أن القاعدة التي ينبغي علينا أن نقبلها شئنا أم ابينا هي القسوة والظلم بين البشر , أما الرحمة والتعاطف , فهما الإستثناء . هكذا تغير إسم المسرحية , كما تغيرت مفاهيمه للنظرية الجديدة بعد أن تبلورت شيئاً فشيئاً بمرور الزمن .

وحينما نمعن النظر في مسرحياته التالية , فإننا نجد أنها محاولات جادة لتحديد أفكاره وبلورتها , بدلاً من أن تكون تلك الأفكار منسجمة كلية مع القيمة الفنية لتلك العروض , مثل مسرحية : في غابات المدن , ومسرحية نور الظلام والكبائر السبع , ومسرحية الخوف والبؤس في الرايخ الثالث , وأخيراً مسرحية أصحاب الرؤوس

- 33 -

المستديرة .

إلا أنه وصل إلى مرحلة الذروة في طرح أفكاره التي بدأت تاخذ بعداً فنياً متقدماً , من خلال إقتباسه لمسرحية الكاتب الإنكليزي أوبرا الشحاذين التي سماها أوبرا القروش الثلاثة , حيث حقق فيها نجاحاً كبيراً معتمداً بذلك على ثلاثة عناصر فنية أساسية في العرض , أولهما الموسيقى والألحان التي وضعها الموسيقار والملحن كورت فايل , وثانيهما التراتيل التي إستوحاها من أشعار الشاعر الإنكليزي رديارد كبلنج , وثالثهما الحبكة الدرامية التي إستمدها من النص الأصلي لمسرحية جون جاي .

لقد إستخدم بريشت في هذه المسرحية قواعد المسرح الشامل كالشعر الشعبي والموسيقى الأخاذة والأخراج الخلاق الذي يعتمد على التشكيلات التي تختلف في روعتها من مشهد لمشهد .

إن هذا العرض المسرحي المتقن من الناحية الفنية , قد جعله يتجاوز كثيراً المسرح السائد الذي كان يسمى - بمسرح الحرب - في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية .

كما أننا إذا نظرنا للمسرحيات الأخرى التالية, فإننا نجد أنها تعتمد بالأساس على الشخصية في تخطي المذهب الملحمي لملامحها , والتركيز بدلاً من ذلك على الأبعاد الإجتماعية .

ففي مسرحية الرحلة الجوية تظهر فيها الجوقة عوضاً عن شخصية لندبيرغ , إن هذا الظهوريدلل على إلغاء لدور الفرد وتحويله إلى دور جماعي متمثلاً في الجوقة , ويعطينا صورة واضحة عن تأثير المسرح اليوناني القديم على أعماله كما تم ذكره .

لقد إستطاع بريشت تسليط الأضواء على دور الفرد - لند بيرغ - من خلال فعل بطولي لم يجرأ أحد من قبل القيام به , حيث تمكن لأول مرة من عبور المحيط

- 34 -

 

الأطلسي بطائرته ضمن مغامرة كبيرة قد تدفعه للمخاطرة بحياته .

إن ذلك يعني لدى برشت: إن الإرادة البشرية المتمثلة بالإنسان وبالطاقة الذهنية التي يملكها , يمكنها الإنتصار على القوى الطبيعية البدائية التي كانت هي الأقوى في الماضي, نتيجة الجهل والتخلف السائدان في السابق.

 

أما في مسرحية القائل نعم والقائل فإن برشت يبني صراعه في المسرحية على صراع إرادتين , إرادة الرفض وإرادة القبول , مبرراً ذلك من أن المرء يتوجب عليه التفكير ملياً في أي موقف جديد وأية مشكلة يواجهها قبل أن يقول رأيه .

وبذلك يقدم نماذج تعليمية للجمهور , تتلخص في تلك المناقشة الطويلة بين الصبي والمدرس , لجعل الجمهور لايشارك ولا ينفعل مع تلك الأحاسيس الوجدانية للشخصيات , بل يستخدم تفكيرة في ذلك بما يمليه عليه المنطق والحجج المقنعة .

وفي الحقيقة , وكما ذكرت أنه يصعب في هذه الدراسة الموجزة الإلمام بكل شيء عن هذا المسرح الهام الذي تأثرت به الحركة المسرحية في أرجاء مختلفة من العالم .

فهنالك مسرحيات تقترب كثيراً من البطل التراجيدي المعروف سابقاً , مثل مسرحية الأم شجاعة وأبناؤها التي يركز فيها على فهمه لموضوعة الشخصية القديم .

كذلك أن مسرحية غاليلو غاليليه هي أقرب ما تكون إلى نموذج البطل الفردي الذي يواجه رجالات الكنيسة ويستسلم لأرائهم إبان مرحلة محاكم التفتيش السائدة في العصور المظلمة , لأنه لم يجد أي مخرج آخر سوى التنازل لهم حفاظاً على حياته .

فهل إستطاع بريشت أن يحول دون تعاطف الجمهور مع شخصية الأم في مسرحية الأم شجاعة وأبناؤها , كذلك مع غاليلو وهو محاط بمجموعة من المحققين المتشددين , الذين يخيرونه بين الموت أو التنكر لعلمه وأبحاثه التي أثبت فيها أن

- 35 -

الأرض كروية ؟

هذا هو السؤال الذي يمكن أن يكون قد طرحه على نفسه عندما وجد الجمهور في عام 1939 يتعاطف إنسانياً مع تلك المرأة التي قتل أبناؤها في الحرب , مما جعله يعيد كتابة هذا النص مرات عدة ويغير فيه كثيراً .

لقد قام بتلك التغييرات لأن الموضوعة الإنسانية التي إختارها في كلا الحالتين , موضوعة يمكن للجمهور أن يتعاطف معها وربما ينسجم معها أثناء العرض وينسى نفسه .

لكن مسرح بريشت لم يمت على الرغم من أن المتغيرات الفكرية التي كان ينادي بها قد تغيرت مرحلياً , فنصوصه وأعماله هي نصوص وأعمال إنسانية أكثر مما تكون سياسية .

كما أن لنظريته تأثيراً كبيراً على واقع المسرح الجديد , فقد فجرت الكثير من ينابع المعرفة المسرحية التي تصب في روافد التغيير , من خلال فصله بين أدب المسرح وفنون المسرح , أي بين ما هو درامي كتب للقراءة وبين ما هو مسرحي خاضع للتجريب ومحاكاة روح العصر وأفكاره .

أضف إلى ذلك أن التغيير في البناء المعماري ( الديكور ) قد تغير أيضاً وفق رؤياه الجديدة , حيث أصبحنا نرى معظم الممثلين يدخلون ويخرجون حاملين قطع الديكور , بعد أن كنا في السابق نرى كتلاً معمارية لا يتم تغيرها إلا في الظلام .

إن تلك التأثيرات الكبيرة لمسرح بريشت لم تشمل التمثيل والديكور , بل شملت الإخراج المسرحي أيضاً , لأنها حفزت العديد من المخرجين في العالم على إتباع منهجية جديدة في تعاملهم حتى مع المسرحيات الكلاسيكية .

كل ذلك يعود بالفضل إلى بريشت وتجربته الرائدة التي جعلت المخرجين والممثلين يتسائلون عن عملهم قبل وبعد أن يقدموا على تنفيذه . كما أن الإتجاهات التعبيرية في نمطية الشخصية أو التمرد عليها تعود بالأساس الى مفهوم النقائض التي كانت سائدة في مسرحه .

- 36 -

خلاصة لما تقدم , لا بد للمخرج من الإنتباه إلى أهم الموضوعات التي يتوجب عليه الأخذ بها ,إذا أراد التعامل مع أي عمل مسرحي من أعمال بريشت التي تناولتها في هذا الباب . فما هي هذه الركائز الإخراجية التي يرتكز عليها هذا المسرح :

1 - لا ينبغي لأي مخرج التعامل مع أية مسرحية من مسرحيات بريشت تعاملاً متشابهاً . فالمسرحيات التي كتبت في البداية كالقاعدة والإستثناء تختلف معالجتها الإخراجية عن مسرحية الأم شجاعة على سبيل المثال , ذلك لأن قواعد العرض المسرحي لدى برشت تختلف من مرحلة إلى مرحلة .

فالمسرح الملحمي كما يسمى في بدايته والذي يعتمد على الجوقة وعلى التعليق على الحدث كما في الملاحم القديمة والمسرحيات الإغريقية , قد إنتهى دوره في المرحلة المتأخرة التي سميت فيما بعد بالمسرح التعليمي .

2 - إن قطع التواصل وعدم الإندماج كلياً مع الفعل يعتبر عاملاً جوهرياً من عوالم العرض المسرحي لدى بريشت , فالإندماج الكلي لايعطي المشاهد فرصة التفكير بالذي يجري ويحدث أمامه .

إن الإندماج الكلي على طريقة ستانسلافسكي الواقعية سيؤثر سلباً على إستيعاب الجمهور للحدث إستيعاباً فكرياً يخضع للمناقشة وطرح البدائل لهذه المشكلة أو تلك او الإجابة عن هذا السؤال أو ذاك .

3 - إن التواصل مع الجمهور لايعني إلغاء حالة التواصل كلياً , بل ما هي هذه الطريقة التي تجعل هذا التواصل يخضع إلى المباشرة المبررة وليس إلى الإنسيابية الكاملة كما كان يحدث في الماضي .

4 - أن برشت كان يخرج معظم مسرحياته ويمثل فيها , وقد إستخدم الغناء أحياناً بديلاً عن الجوقة التي كان يستخدمها في مطلع أعماله المسرحية , هذا يعني أن

- 37 -

 

على المخرج ألتعامل مع الفواصل الزمنية تعاملاً فنياً راقياً بعيداً عن ضعف الأداء .

5 - إن النقائض التي يفرضها أي حدث ما والتي تصل أحياناً إلى نقض النقيض كلياً في العرض المسرحي هي من ميزات عروض مسرح بريشت في مراحله الأخيرة , فالحدث الذي يقطع بحدث آخر مغاير يعني بالضرورة البحث عن المعنى الصحيح المراد توصيله إلى الجمهور .

6 - ليس صحيحاً كما يشاع عن مسرح بريشت من أنه مسرح خاص بالطبقة العاملة دون غيرها , وإن موضوعاته موضوعات سياسية بحتة , فهو مسرح يمكن أن يكون لكل المشاهدين على إختلاف طبقاتهم ومستوى وعيهم الثقافي .

لذا يتوجب على الذين يودون التعامل مع هذه المسرحيات أن يأخذوا بعين الإعتبار أهمية التعامل مع الجمهور على أنه جمهور واع يحضر عروضاً على درجة من التقنية العالية .

7 - إن مسرحيات برشت هي مسرحيات إنسانية وليست مسرحيات سياسية أو إيديولوجية فقط , خاصة تلك التي كتبت في المراحل النهائية من حياته الفنية .

8 - مع كل هذا وذاك فقد ساهم هذا المسرح مساهمة فعالة في الخروج من أطر المسرح التقليدي السائد في أوربا وفي العالم منذ قرون كثيرة , كما أنه أعطى الممثل والمخرج معاً القدرة على المرونة في التعامل مع وحدات العرض المسرحي سواء كانت وحدات ثانوية أو رئيسة .

9 - إن البناء الدرامي في مسرح بريشت لا يعتمد على الإيقاع التصاعدي في العرض المسرحي , بل أن الإيقاع لديه يخضع إلى عدة فواصل إيقاعية إذا صح التعبير , كما أن هذه الفواصل الإيقاعية مكملة لإيقاع العرض العام, على الرغم من أنها يمكن أن تؤدي إلى الخروج عن الجو العام للعرض . كل ذلك له حساباته الفنية البالغة الدقة .

 

 

 

 

 

 

 
 

 
 
       

 

الرئيسية  /  أبواب الموقع  /  كتاب مشاركون  /  من نحن  /  روابط لمواقع ثقافية  /  عن مؤسسة اتجاهات الثقافية  /  اتصل بنا

Telephone
00964 (0) 7901 789622
Postal address
P.O.BOX:
55478 Alawi post office - Baghdad - Iraq
Electronic mail
General Information: info@ittijahat.com
Webmaster: admin@ittijahat.com
 

Send mail to info@ittijahat.com with questions or comments about this web site.
Copyright © 2007 Attitudes S.A.C./ Baghdad- Iraq
Last modified: 10/31/08