 |
دولة الولاء
فوزي عبد
الرحيم |
لقد مثلت مسالة الاختيار بين الولاء والكفاءه موضوعا ملحا كلما كان
هناك تغييرسياسي او اجتماعى كما انها كانت دائما جزءا هاما من
اليات تكوين المؤسسات والدول والاحزاب .... غير انها فى المجتمعات
الاقل تطورا تصبح امرا ملحا اكثرمما هى عليه فى المجتمعات المتطوره
ففى ظل الدول الحديثه والتى تقوم على صفه تمثيليه واسعه وتعتمد
لذلك اليات ديمقراطيه عمليه وتقوم على مؤسسات رصينه مبنيه على اسس
علميه حيث يبرز معيار المواطنه الذى يتقدم على غيره فى ظل دوله
تتمتع بالولاء الطوعى لرعاياهاو تنتفى الحاجه للبحث عن الولاء فى
حين تبرز الحاجه بشده للولاء فى الدول غير الديمقراطيه وغير
المؤسسه على قاعده واسعه حيث مفهوم الدوله ذاته ملتبس وضعيف فى ظل
حيوية المنظومات القبليه والدينيه والطائفيه مما يجعل حاجة السلطات
للولاء مساله ملحه . لقد واجهت ثورات عديده هذه المعضله وقد تحدد
بدرجة كبيره مصيرها من خلال طريقة تعاملها معهافكان للثوره الروسيه
عام 1917 تجربه واسعه اذ فى بدايتها كان الولاء للثوره ولفكرها له
الاولوية فى تحديد مواقع الاشخاص والمسافه التى تفصلهم عنها غير ان
التحديات التى تعرضت لها التجربه الثوريه الجديده اضطرتها لاعمال
مبدا الكفاءه جزئيا وخاصة فيما يتعلق بالحاجه لعسكريين كفوئين
محترفين لمواجهة الاخطار الخارجيه ولكن الاعتماد على الولاء متمثلا
بالانتماء للحزب الشيوعى بقى هو المعيار الاساسى فى تحديد العنصر
البشرى اللازم فى بناء الدوله وبالطبع كان للثوره منطقها فالثوره
الروسيه كانت حدثا دراماتيكيا فى مسار البشريه جمعاء لان العقيده
التى جاءت بها هى نظريه متكامله للتغيير الثورى على نطاق العالم
كله ولذلك واجهت منذ البدايه العداء السافر من مراكز القوه
المسيطره تاريخيا على البلاد والقوى الدوليه الكبرى الامر الذى
جعل الثوره تركز فى بناء مؤسسات الدوله على الموالين لها وتبعد
غيرهم حتى وان كانوا اكفاء اذا كانوا يحملون فكرا مختلفا مراهنة
على الوقت لتتجاوز مراحل الخطر ثم بعد ذلك سيكون هناك وقت للثوره
لتهىء كفاءاتها المؤمنه بها ولكن وكماعودتنا التجربه الانسانيه فى
مثل هذه الظروف فان الاجراءات المؤقته هى فى الغالب الاكثر دواما
اذ ان اعتماد معيار الولاء يخلق فئات اجتماعيه مستفيده منه وهذه
بمرور الوقت
تؤسس منظومتها الخاصه التى تتعاكس مع تطبيق مفهوم الكفاءه وفى النهايه فان
الفشل فى جعل الكفاءه المعيار الاساسى فى بناء الحزب والدوله كان احد
الاسباب الهامه التى افقدت كيان الدوله الحصانه فى مواجهة التحديات
المستجده ما سهل لاعدائه مهمة اسقاطه. فى المانيا النازيه واجه هتلر مهمة
الموازنه بين الولاء والكفاءه فى ظل ظرف مختلف ومواتى حيث ميراث الدوله
الالمانيه العريق قدم مفهوما متطورا للدوله والمواطنه وقاعده صناعيه
متقدمه من حيث التقنيه والهيكل هى نتاج الكفاءه اذ ان التطور العلمى و
التقنى جاء فى خضم تطور شامل فى الجوانب الفكريه والاداريه وكلها امور جعلت
من الصعوبه على الفرد ان يكون له موقع بدون انجاز وهكذا كان بامكان هتلر ان
يحصل على الكفاءه التى هى نتاج الدوله الالمانيه فى بحر الولاء المتلاطم
ورغم ذلك فان هتلر على مستوى القيادات السياسيه والحزبيه اهتم بالولاء على
حساب الكفاءه وهو ما ادى الى الكثير من سوء التقدير والقرارات الخاطئه التى
افضت بالنتيجه الى ان يقود الولاء الكفاءه الى الهزيمه.
لقدواجهت الدوله العراقيه الحديثه مسالة الولاء والكفاءه منذ بداياتها وهى
التى تاسست من اقليه سياسيه فى ظروف خاصه الزمتها بالبحث عن الولاء اولا كى
يصبح ممكنا لها ان تحكم غالبيه ساحقه غير مواليه ورغم وجود مبررات موضوعيه
سيقت اذ ان الاقليه هى التى كانت تتوفر على الكفاءات المطلوبه لبناء الدوله
فى حين ترزح الاغلبيه فى جهل او فقر او تخلف او فى كل ذلك نتيجة سياسات
التمييز العثمانيه المستمره لقرون غير انه وكما بينا سابقا فان بناء الدوله
على اساس الولاء الذى فرضته ظروف موضوعيه كسياسه مؤقته او مرحليه انتج
نظاما قائما على الولاء رغم تغير النظام السياسى اكثر من مره وتغير جهة
الولاء. فى مراحل لاحقه من العهد الملكى وبعد توسع جهاز الدوله و زيادة
الحاجه للكفاءات مترافقا مع محاولات حثيثه لتوسيع قاعدة التمثيل السياسي
وعودة الكثير من طلبة البعثات بعد اكمال دراستهم وفى ظل تصاعد نشاط غير
مسبوق للحركات السياسيه عامة و اليساريه خاصة ادى لسيطرة الفكر اليسارى على
الثقافه والادب والفنون لا بل اصبح متحكما بشكل لافت على منظومة القيم
الاخلاقيه فى المجتمع وهو ما ادى يلعب اليسار دورا خارج اطار دوره السياسى
كمرجعيه وطنيه اخلاقيه يحتكم لها فى تحديد الصواب و تشخيص الاخطاء . فى ظل
هذه الظروف الايجابيه التى شهدت ظهور الهويه الوطنيه العراقيه وما يستتبعها
من ازدهار لمفهوم الدوله والمواطنه والانتماء للوطن على حساب الولاءات
الدينيه والطائفيه تراجع الولاء كمعيارلاختيار العنصر البشرى لتتقدم
الكفاءه وان بصعوبه لتؤسس منظومتها وقيمها فى ظل نظام غير مؤاتى لما يزل
يعتمد الولاء خاصه للطبقه السياسيه الحاكمه ولكن فى ظل بيئه عامه مشجعه .
عن تلك الفتره ينقل خليل كنه احد السياسيين المقربين من نورى السعيد رئيس
الوزراء انذاك عته قوله ان الحزبيه حرمت البلد من الاستفاده من كفاءة محمد
حديد وفى هذا القول نلمس اقرارا ان الكفاءه لم تكن المعيارلاختيار المسؤلين
كما انه يؤشر فهما مهنيا لضرورة اجتذاب الكفاءات مهما كان توجهها السياسى
من سياسي محترف هو احد اهم اقطاب الولاءات السياسيه.
لقد ادى استخدام الكفاءات على نطاق واسع نسبيا وفى مستويات اداريه وفنيه
متعدده دون ان يطال المستويات السياسيه التى بقيت حكرا على القوى المتحالفه
والنافذه كجزء من امتيازانها تملا بالموالين وان لم يخل هؤلاء من كفاءات
مشهوده الى ظهورالانتلجنسيا العراقيه صاحبة الانجاز المهنى المميز.
بعد ثورة 14 تموز 1958 التى انهت النظام الملكى , ضربت فئات اجتماعيه نافذه
واستفادت فئات اخرى ضمن الية التغيير فى الثورات غير ان تغيرا دراماتيكيا
فى موضوعة الولاء والكفاءه لم يحصل لاسباب عديده منها غياب هيمنة حزب على
السلطه النى بقيت بايدى المؤسسه العسكريه التى كانت ما تزال تتمتع بالحرفيه
والانضباط وتعتمد معايير مهنيه كما ان شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم التى
تحترم الكفاءه والتراتبيه قد القت بظلالها على الموضوع وفى هذا يشير
السياسى العراقى الراحل عبد اللطيف الشواف الى ان عبد الكريم قاسم لم يكن
محبا للتغيير بشكل عام ولم يستهويه تبديل الاشخاص لاى سبب ماداموا يؤدون
وظيفتهم ومن الامثله على ذلك رفضه ان تقوم لجنة تنسيق الملاك الحكومى
باعادة النظر بملاك ديوان مجلس الوزراء الموروث من العهد الملكى ووجعله من
اختصاص مكتب وزير الدفاع.
ان التغيير الكبير فى موضوع الولاء حدث بعد 8 شباط 1963 مع استلام البعث
للسلطه حيث بفكره الشمولى كان يتصرف على اساس احتكاره للحقيقه والوطنيه ومن
ثم وضع الولاء والولاءوحده معيارا لشغل المناصب وكان من مكامن الخطوره فى
توجه البعث انه كان يملك الامكانات التنظيميه لنقل توجهه الى ارض الواقع
بسبب توفر جهاز حزبى متمرس الامر الذى سهل تنفيذ مخطط دولة الولاء غير ان
قصر فترة حكم البعث البالغه 9 شهور ( من 8 شباط الى 18 تشرين الثانى 1963)
ووجود الشريك القومى الذىكان منتشرا فى اجهزة الدوله الهامه لم يمكن البعث
من تنفيذ مشروعه الستراتيجى لينتهى على يد عبد السلام عارف الذى جاء الى
الحكم محملا بهواجس اخرى من غير ان يمتلك الجهاز المنظم والاليات فركز
اهتمامه على الولاء على اساس طائفى وهكذا فان دولة الولاء استمرت بالتكون
وان كانت جهة الولاء تغيرت .
فى العام 1968 عاد حزب البعث الى السلطه فى مشروع اعقد واشمل للحكم فى
العراق ,ومنذ البدايه ورغم وجود الحلفاء العسكريين الذين صعد البعث على
اكتافهم ثم وجود بعض بعثيى الرعيل الاول الا انه كان من الواضح ان صدام هو
رجل المستقبل القوى ورغم انه كان للبكر وحلفاءه قوه كبيره وتاثير , وصدام
لم يكن قد بنى مؤسساته بعد الا انه ومنذ البدايه وفى بعض المسائل الهامه
كانت بصمات صدام واضحه ومن هذه المسائل سياسة التوفيق بين الولاء والكفاءه
حيث توجه صدام منذ البدايات نحو بنا ء الاجهزه الامنيه والمخابراتيه على
اساس الولاء والولاء فقط وكلما كان صدام يتقدم صوب دور اكبر له فى السلطه
كان يتوسع فى تطبيق مبدا الولاء فى قطاعات جديده فى الدوله حيث فى البدايه
كان الجيش بيد الضباط البعثيين المحترفين الذين كانوا يرون ضرورة احترام
التراتبيه العسكريه والابقاء على الضباط غير البعثيين اذا لم يكونوا معادين
واعتماد المعايير المهنيه فى تقييم صلاحية الضباط للمسؤليات او المواقع
وكذلك عدم السماح للمدنيين ان يتدخلوا فى شؤون الجيش غير ان ذلك تغير
خصوصا بعد حركة ناظم كزار الفاشله عام 1973 وتزايد سلطات صدام الذى بدا
يحكم قاعدة الولاء على كل المجالات فيما عرف لاحقا بتبعيث الدوله حيث تم
احتكار ضباط الجيش والامن والمخابرات واعضاء الهيئه التدريسيه لرياض
الاطفال والاعداديات والمعاهد والكليات وموظفى السلك الدبلوماسى وقيادات
العمل النقابى والمهنى والدرجات الوظيفيه من مستويات معينه فى كل المجالات
الى المنتمين لحزب البعث وفى حالة وجود كفاءه غير بعثيه لايمكن الاستغناء
عنها فانها تجبر على الانتماء للحزب وهكذا ما ان جاء العام 1979 حين تسلم
صدام رسميا منصب الرجل الاول فى الدوله والحزب اصبح غريبا ان يوجد شخص في
منصب متوسط فى الدوله غير بعثى مهما كان المنصب تقنيا. لم يكن مشروع صدام
شبيها بمشروع ستالين او هتلر رغم انه استلهم شيئا من سيرتهما , كما ان صفة
الشموليه التى اطلقت على النظام فى الاتحاد
السوفياتى او فى المانيا النازيه تصح لوصف نظام صدام اكثر من اى نظام
اخرحيث هو النظام الاكثر استفاده من مواريث وتجارب القمع العالميه والاكثر
سيطره على مفاصل الحياة السياسيه والاجتماعيه كما انه اكثر نظام قمعى تمتع
بظروف دوليه مواتيه جعلت من بقائه ضروره للمصالح الدوليه النافذه فى عالمنا
اضافه الى ظروف ارتفاع اسعار النفط وتدفق مداخيل هائله انتجت علاقه غير
طبيعيه بين الشعب والسلطه حيث وفرت هذه المداخيل
امكانيات هائله لاستقلال الدوله عن المجتمع مامكن السلطه من بناء اجهزه لها
فى حالة تقاطع تام مع المجتمع تدين بالولاء للسلطه فقط حتى لو كانت السلطه
ضد كل المجتمع .
لقد ادى ذلك الى مسخ الدوله والحاقها بالسلطه واضعاف المجتمع وتغييب اية
منظومه سياسيه او اجتماعيه او نقابيه او مهنيه تعبر عن جزء من فعاليات
المجتمع الا تلك المنضويه كجزء من منظومة النظام واصبح القمع واجهزته غايه
بذاتها وليس كما هو فى انظمه شموليه اخرى حيث القمع يرتبط بوجود تهديد
للتظام وهو جزء من موروث الدوله والمجتمع كما فى المانيا النازيه وبدرجه
اقل فى الاتحاد السوفياتى وفى موضوع القمع واهميته ينقل الكاتب العراقى
الراحل هادى العلوى اللقطه التاريخيه التاليه حيث الحجاج بن يوسف الثقفى
وبعد معركه مع الخوارج ينظر الى اعداد من الاسرى فساله احد معاونيه عن
المصير الذى يريده لهم فامر بقطع رقابهم جميعا وهنا وقف احد الاسرى وخاطب
الحجاج : وماذا عنى وانا صاحب فضل عليك فقال الحجاج وما فضلك قال شتم القوم
امك فنهرتهم وقلت لهم نقاتل الرجل فلم ذكر امه فاستنفهم الحجاج اانت فعلت
ذلك وما دليلك فاشار الاسير الى رفيق له فصاح الحجاج بهذا افعل صاحبك ذلك
فاكد هذا الكلام فقال له الحجاج وما منعك ان تحذو حذوه فاجاب منعنى بغض
شديد لك فما كان من الحجاج الا ان يامر اطلقوا سراحهما الاول لانه صاحب فضل
على ولاارغب ان اكون مدينا لاحد والثانى لان التراب لاينبغى ان يهال على
شجاعة كهذه.
ان الحجاج وهو احد دعائم الحكم الاموى قد استخدم العنف والقسوه لدعم هذا
الحكم وعندما كان هناك مجال لغير العنف لتحقيق الهدف فان الحجاج كان ينصاع
لمنطق دولته التى تطلب الولاء دون ان تصر على وسيله بعينها فالرجل جزء من
نظام ومنظومه فكريه الزم نفسه بها وحدودها فكان كثيرا ما يفحم ببيت شعر او
حكمه عربيه من تابع او اسير ولم يحدث ان افحم صدام ببيت شعر او بنص قرانى
وهو لايحفظ منهما شيئا على أي حال فالقمع كان غايه مطلوبه لذاتها يجب
اعمالها حتى لو كان تحقيق الولاء متاحا بغيرها ولم يكن لصدام مرجعيه فكريه
او اخلاقيه كما كان للحجاج ولغيره من طغاة اخرين.
ان
القمع والولاء قضيتان
اساسيتان لدى صدام فالولاء ضرورى لانه الغايه النهائيه والقمع لايمكن
الاستغناء عنه
لان الولاء لاياتى بدونه , اذ ادى ذلك الى ازدهار مؤسسات القمع من حيث
الدور ومن حيث التقنيات وكذلك من حيث الفكر باعتبار انها لم تعد مجرد اليه
لخدمة السلطه كما
اصبح الولاء جزءا من تقاليد الحياة العراقيه وبتفاصيل وطرق وممارسات استدعت
تغييرا كبيرا فى المنظومه الاخلاقيه والقيميه للمجتمع العراقى التى كانت
محصله للموروث
الايجابى مع جهود وكفاح الحركه السياسيه وانعكاساته كما ذكرنا سابقا فى
مجالات
متعدده . وهكذا وبعد ضغوط منهجيه تعتمد القمع والاذلال للحصول على الولاء
كجوهر لمشروع صدام حسين انهارت المنظومه الاخلاقيه والقيميه للدوله
والمجتمع بعد ان سحقت
المنظومات الاجتماعيه والسياسيه لتنفرد السلطه بالفرد الذىاذلته واعقمته
كخطوه ضروريه
واخيره لاخصاب منظومة الولاء الوحيده التى بقيت عامله.
ان الولاء هو جزء من النظام الاجتماعى والسياسى فى مجتمعاتنا قبل الدوله
ويرتبط بطبيعة
حياة هذه المجتمعات وقيمها حيث صلة الدم والنسب لها اهميه كبيره فى تاسيس
منظومة الحكم وقبل ذلك فى ارساء قيم تقدس صلة القربى وتجعل من برها رمزا
لكل ماهو خيروقد استمر هذا النظام فاعلا حتى بعد التطورات فى منظومات الحكم
اذ لم يواجه تحديا جديا الا
فى الدوله الحديثه حيث يتسيد مفهوم المواطنه وهو امر تم التراجع عنه فى
تجارب عديده فيمجتمعاتنا بسبب عدم ترسخ مفهوم الدوله او بسبب الارتداد
عن القيم المدنيه.
فى العام 2003 اسقطت اميركا نظام صدام واحتلت العراق بسهوله ولم تستطع
منظومة الولاء ان تفعل شيئا وهى التى اعدت لهذا اليوم على مدى عقود فالولاء
الذى نجح باخضاع المجتمع العراقى لم يكن مهيئا لمعركه قائمه على الكفاءه
وعندما انهارنظام الولاء انهارت الدوله وحدث فراغ سياسى كبير بسبب الاختفاء
المفاجىء لكل المنظومات الامنيه والحزبيه التى بنيت على مدى اربعة عقود
بديلا للتشكيلات السياسيه والاجتماعيه و النقابيه ومؤسسات الدوله ولهذا لم
يظهرعلى المسرح وجود جدى لهذه التشكيلات بعد السقوط وسيطر الاتجاه الدينى
على المشهد السياسى فى رد فعل من فئات اجتماعيه واسعه تعرضت للاضطهاد لوقت
طويل فخرجت تعلن عن هويتها اكثر من كونها تعبر عن موقف يتبنى رؤيه سياسيه
معينه وبالطبع هذا الامر لايشمل كردستان العراق التى لها وضع خاص.
لم يكن ممكنا ان يستمر هذا الفراغ فبدات مجموعه من القوى تتسابق على ملاه
فنشطت الفوات الامريكيه ببناء منظومات سياسيه وامنيه بما يخدم الاهداف
الستراتيجيه الامريكيه كما اعادت قوى النظام السابق تنظيم نفسها وتحالفاتها
فظهرت على المسرح بشكل تنظيمات مسلحه او افراد او منظمات تحت عنوان
المقاومه ضد الاحتلال اوتحت عناوين اخرى اما القوى السياسيه المعارضه
تاريخيا فقد اختفى بعضها للابد بسبب القمع وتعقيدات الظروف السياسيه خلال
العقود الماضيه وعدم تمكنها من التكيف مع ما حدث من تغير ظروف العمل
السياسى اما البعض الاخرفكان يحتاج بعض الوقت كى يستعيد صلته بالواقع
العراقى بعد ابعاد قسرى استمر لعقود نشات خلالها اجيال جديده مرت بتجارب
مختلفه وكما ذكرنا سابقا فان الاتجاه الدينى الذى لم يكن فى حاجه لجهد
كبيرليعلن عن نفسه كان صاحب الحصه الاكبر فى ملىء الفراغ . ان الاتجاه
الدينى بسبب طبيعته وبسبب الفراغ السياسى وعدم وجود تقاليد تنظيميه وعدم
وجود برنامج سياسي واقعى خارج اطار الشعارات الدينيه التى تلامس مشاعر
الناسمن خلال تبنى كل مقدس لديهم انتج الطائفيه السياسيه والتى تعنى الولاء
على اساس الانتماء الطائفى بديلا عن الولاء على اساس الاشتراك بفكره و
برنامج.
ان ماجرى خلال السنوات الماضيه هو تجسيد لما ذكرناه فحتى العمليه
الديمقراطيه التى مثلت قفزه فى الحياة السياسيه العراقيه لم تاتى بالافضل
الذى يريده الناس ولكن بالموالى وهكذا وبعد 5 سنين ثمينه من غياب ظل البعث
وصدام تعانى الدوله وغالبية الناس من الاداء السىء فى كل مفاصل الحياة لمن
انتجتهم العمليه السياسيه كممثلين للشعب او لمن وضعهم ولائهم فى مواقع
ليسوا اكفاء لها واننابهذا رغم الايجابيات الهائله للتغيير والعمليه
السياسيه نكرر الانحراف عن بناء الدوله ببناء السلطه , ان بناء الدوله يقوم
على فكرة المواطنه والتى تنظر الى كل مواطن على انه انه متساوى مع غيره
لايميزه سوى اداءه اى كفاءته فى حين ان الولاء يقوم على مبدا يتعارض مع
فلسفة الدوله الحديثه . ان الوقت لازال مبكرا للحديث عن دوله قائمه على
الولاء على انقاض دولة الولاء القديمه فلا زال بالامكان تعديل المسار قبل
ان يبنى الولاء منظوماته الجديده فى مجتمع حديث العهد بالدبمقراطيه
وبالدوله الحديثه حيث الرد على الولاء بالولاء.
اخيرا فان من الضرورى التاكيد على ان الولاء ومهما كانت نوايا رواده حسنه
فهو لايبنى دوله عصريه لانه يتعارض مع فلسفة الدوله اما الكفاءه فمهما كانت
التحفظات على اختلاف الرؤيا مع صاحب الكفاءه فان صاحب الكفاءه لايجب ان
يشكل الخطوره التى يتخوف منها بناة الدوله الجديده فالكفاءه التى هى نتاج
التحصيل العلمى الضرورى لعمل ما مشفوعا بخبره عمليه جيده لايمكن الحصول
عليها الا من خلال المنظومه التعليميه او الممارسه التطبيقيه او كليهما
وهما امران محكومان باخلاقيات معينه ففى الاغلب الاعم لايتوقع مثلا لعالم
قضى عمره فى البحث والدراسه ان يكون معدوم الضمير او شريرا ضد مصلحة
المجموع فهذا يتعاكس مع غائية العلم ومؤسسته الاخلاقيه وطرائق التحصيل
العلمى ورغم وجود شواذ لهذه القاعده الا انها بالتاكيد لاتبرر التخلى عن
الكفاءه لمصلحة الولاء كما ان تجربة البعث الكريهه فى صناعة الكفاءات
المواليه والتى حاولت طرح نفسها بعد التغيير ككفاءات محايده ومهنيه لركوب
موجة التغيير لا يجب ايضا ان تصبح عاملا اضافيا للتطير من الكفاءه لسبب
بسيط هو ان البعث على مدى فترة حكمه المديده لم يخلق كفاءات رغم انه خرج
الاف المختصين والاساتذه بل والادباء والشعراء والفنانين الذين كانوا فى
الحقيقه مجرد موظفين فى مؤسسة الولاء اقتضت ظروف الحكم ان يحملوا هذا
الاختصاص او ذاك فعدا حالات قليله لم يقدم البعث فنا او ادبا ينتمى له
فكريا ويرتقى الى مقاييس الابداع .
|