مختارات من أعمال رواد التشكيل العراقي

 

حافظ الدروبي

أكرم شكري

اسماعيل فتاح الترك

سعد شاكر

سعد الطائي

فايق حسن

مختارات من أعمال الفنان عبد الرزاق ياسر في معرضه السابع على قاعة مدارات 18 10 2008

 

 

 

 

 

 
 

 

 

صحيفة أسبوعية، تعنى بشؤون الثقافة والمجتمع                                       تصدر من بغداد، عن مؤسسة اتجاهات الثقافية........و بأقلام حرة

اتصل بنا

عن مؤسسة اتجاهات

روابط لمواقع ثقافية من نحن كتاب مشاركون أبواب الموقع

الرئيسية

 

 

 

عالية طالب

    النداء  "قصة قصيرة"

عالية طالب - القاهرة

 

الهواء يتراقص متشنجاً داخل الدائرة السوداء التي تتوسطها، فتعلو دون توقف .. تدور الحدقتان المضطربتان وتختفي النظرات مع كل ارتفاع ينتاب الدوامة الصغيرة المعتمة. يا لهذا الجسد الشفاف داخل أكوام الاستدارات المحاصرة بالنظرة النهمة .. أمسك رأسه بيدين معروقتين، وسيل ابتسامة لزجة ما انفكت تنساب متسرعة. تكومت ذراعاها بيضاوين شهيتين أمام ركبتيها مراراً .. إلا إن التيارات تأبى الوقوف بهدوء، والصخب الجسدي ينبض بحركات شهية.

ضج صوتها في أذنيه:

ـ أوقف هذا السيل المقرف من شفتيك.

ابتلع نظراته ووقف صامتاً. ألجمته الكلمات فمط شفتيه دون أن يصارع انسياب الإبتسامة الفاضحة .. أرجعته صفقة باب مزعجة إلى ما وراء الذاكرة المزدحمة بهياكل غريبة انتشرت أمامه دون وعي. اختفى عطرها منسحباً وراء الباب الموصدة بقوة .. ويل لك أيتها السنون المتراكمة، كيف تحركت دون علمي ... توقفي قليلاً وانفحي جسدي المترهل بالوحدة نفحة شباب صغيرة .. صغيرة جداً، الا ان صورة المستطيل الخشبي ارتفعت امام عينيه مرة اخرى .. فهربت التمنيات برعب .. تخطى الضوء المنساب من وراء الستارة الملطخة بأوراد ضخمة كئيبة .. آه .. يحاصرني دون عطرك .. عودي إلي، ينحدر اليه بقوة تحت اكداس تراب متهاو بدون انقطاع فيما تمرح ظلمة كئيبة حول جسده الملتف بالعراء .. تتشنج كفاه بحركات هسترية تحاول إبعادها بخوف ورهبة ..

أحس بالاختناق، تنشق الهواء بكلتا رئتيه فانتابه إختناق آخر لم تحتمله أنفاسه الضعيفة..

آه .. منك أيتها السكائر اللعينة .. بئر قطران يتربع بقدمين ثقيلتين فوق أنفاسي، ابتعدي .. دعي عطرها يتراكض اهتزت قدماه النحيلتان .. تراجع بخطوات واهنة .. فلاصقته النافذة المضيئة مهشمة أكداس الظلام الصغيرة السابحة فيه .. ضغط رأسه بشدة .. اعتصره، لابد من انتزاعك من أفكاري أيها المستطيل المعتم .. لن اجعلك تحتضنني .. اوصي بدفني في العراء تحت الشمس فوق التلال ..لن أسمح بأن تاكلني الديدان الجائعة، وتفترس جسدي مساكن لها، أصوات نسائية كثيرة، رددت : ان لي صدرا رائعا يشع دفئا أسمر .. لن أجعله كهفا مظلما لعناكب مقتنصة وعقارب صفراء، بل ربما أوصي بدفني في الماء: أتحدي أن تأتي إلي، دودة صغيرة ستغرق بسرعة وسط موجات الماء الضخمة .. ويزداد صدري اتساعا لن تذوب هذه العضلات التي لامستها الأكف الناعمة في ما مضى ستبقى متضخمة حتى ولو بالماء.

انكفأ داخل ساقيه .. دفن رأسه تحتيهما وصورة الدائرة تحاصره داخل مستطيل يضمهما بلا رحمة.

انتشر عطرها مرة أخرى ... وارتطم طرف دائرتها بوجهه .. سقطت نظارته السميكة فأمتلأت حدقتاه بصورة مشوشة بشعة.

ـ أبعد نظراتك الكئيبة.

ـ تعالي ..

ـ ليس قبل فراغك من الافكار المستطيلة.

ارتجفت أجفانه وانغلق طرف الإبتسامة اللزجة .. هربت لذة الرؤيا لنهاية دوائرها اللذيذة.

لكنني بعيدة الآن عن النهايات المظلمة .. سأنتصر عليها وسأريك كيف أثور وأمزق كل الأحشاء، حتى لوكانت .. أحشاءك أنت.

ـ لكن ... مهلا، من أنت؟

ـ ابنتك ..

انفراج بليد لاح فوق شفتيه .. استكانت نظراته بطريقة وقورة تشع بتيارات أضاءت آثار بثور محفورة مغضنة بعتق قديم.

تناغم صوتها برئيا لذيذا .. حركاتها لا تستقر .. يجاهد للإبقاء على نظرات أبوته المفاجئة، فيكابد إصرارا واثقا أنها مشوشة وقد تكون سرابية .. رضاعات نظيفة دارت حول يديه، وصراخ حاد جائع، يهز المهد الصغير .. وتكبر الاكذوبة .. تتخطى الملابس الصغيرة ... تقفز فوق السنين، لترتدي تنورتها، سوداء بدوائر كثيفة. تحيل عاطفة أبوته الى رعب غير مصدق للانوثة الجديدة.

اصطدمت رؤيته فجأة بملامحها .. غريبة، ينكرها .. ترفضها ذكرياته .. تقطعت كلماته بمحاولة الإستخراج دون جدوى ..

ـ لكنني لم اتزوج !

ـ كيف! ..وانا زوجتك.

دهشة اخرى .. انساقت للخروج فأزاحت الصفعة الأولى بقوة صورتها الجميلة .. بل رائعة .. التحمت الكفان دون معاناة بالرجوع الى الذاكرة .. تلذذ بخفقات مرتعشة داخل ضلعيه تفجرت مساماته، ونضحت عرقاً مالحاً لا لون له ... غطى جسده السيل، اعتصر ملابسه. أصابه البلل كاملاً .. تطايرت حروف ناعمة من شفتيها..

ـ ستمرض هكذا ..

فيما استمرت أصابعها المنتهية بالألوان الغامقة تداعب أزراره البيضاء، ذراعها البضة تخلع قميصه المبتل، فينساق لحركتها دون ممانعة، بدا صدره لامعاً تحت القطرات الندية، لكنه يراه يأخذ لوناً اصفر، واجه ضحكتها، واستمر انعكاس لون شعرها فوق جسده عاري الصدر .." ألست صديقي القديم" .. نعم ولدنا في اللحظة ذاتها .. في نفس الزقاق .. على الأيدي المرتجفة نفسها بفعل السنين، القابلة ام سعد أتذكرها، آه كم أسقمتنا بكثرة ترديدها لأحداث يوم الولادة، "كنت أركض حافية من بيت أحدكما لصق بيت الآخر .. وكأنكما أصررتماعلى رؤية النور في الوقت نفسه .. حتى أنني مرضت بعدها أسبوعاً كاملاً فالمطر كان شديداً، والريح تعصف بتيارات هواء مزعجة ... أتذكر ياعزيزي".

ـ من تقصدين ياحاجة.

ـ عزيز الأول، وليس عزيز الثاني .. أصر الأهل على الإسم ذاته، كما اصررتما على التوافق في المجئ .. "إيه ياعزيز الأول، صديقك القديم يعود إليك ثانية، أتذكر لعب الأزقة الباردة عند الظهيرة حيث الاهل نيام والقيود مفتوحة .."وخبز الحنون الصغير" ولذة قضمة مع شاي الصباح اللذيذ .. صباحات كثيرة تلازمنا فيها قبل الإفتراقات المستمرة التي حصلت بعدها، والسرير الأبيض البارد عندالاسطح المرفوعة الاسيجة .. كنا نتبادل الأماكن وهم لا يشعرون ... نضحك بكركرات مخنوقة وايدينا الصغيرة تغلق الشفاه التي تريد الصراخ عاليا .. يتجشأ أبي ثم يعاود غطيطه، كنا نجمع البذور السوداء الممتلئة وبذور البطيخ الصغيرة على أمل تحميصها في اليوم التالي لنملأ بها قراطيس ورقية نقطعها من أوراق اخي الكبير كم كانت رائعة تلك الأيام .. رغم تفرقنا المستمر، إلا إن العودة دائما كانت أحلى من سابقتها .. أتذكر يا عزيز .. لماذا لا تشاركني الحديث .. تصمت وتتركني أسترسل، وتتلذذ أذناك بسماع صوت الماضي الذي يضج في الذاكرة ويحيلها أكواما من أحداث سعيدة وربما تحمل معها الألم .. إلا أنه لن يؤذي كما كان في السابق .. ألست معي ياعزيز" ..

آه أيها الوفي .. مازال السؤال يجأر في رأسي وعلي أن أطرحه دائما أمامك .." صديقك يعاود الاستفسار .. لماذا لم تتزوج.. ؟ ..

يلتفت مذعورا ... تواجهه بقامة مديدة .. تتطاول نظراته .. تتسلقها بتعب يؤلم رقبته بحدة .. تصطدم عيناه بشموخ صدرها المفتوح بازرار مقطعة .. مبعثرة بطريق مزعجة .. تقفل أطراف غلالتها الرقيقة وتزداد ارتفاعا باتجاه شئ يجهله .. يصرخ فيها مذعورا .. قبل ان تبدأ بالتلاشي فجأة:

ـ لكنك قلت.؟ ! 

ـ من !..أنا؟..

ـ أجل قبل قليل ..

ـ نعم .. بالتأكيد .. أمك أنا..

تهشمت أشياء متعددة داخل صدره المشرع بعجز السنوات الهابطة نحو الإنحدار للمستطيل الكئيب .. تلعثمت يداه في محاولة الغلق السريعة لثقوب قميصه المشرع .. لملم طرفه وانزله بعنف الى الأسفل .. إلى الأسفل عليه الإسراع بإسدال ستائر ذاته المتعرية قبل أن تنـزلق صفعة غاضبة من يديك ياأمي .. استوقفته العبارة .. هل ذقت طعم صفعاتك يوما؟ .. لا أذكر ذلك .. أعيني ذاكرتي التي تذوب وسطكن أيتها النسوة الجاثمات فوق انفاسي المتهدجة .. لعلع صوته مبحوحا .. تعالي .. تعالي.

ـ ليس الآن .. أريد إرضاع عزيز الثاني أولا .. يتسرب صوتها عبر أزمات غير منظورة "لابد أن تصبحا إخوة كما أراد القدر لكما ..ليجرفكما تيار الحياة معا .. جاهدا للاحتفاظ برونق الأخاء .. تذوقا ملوحة العرق وحلو الماء بعد نهارات التعب" .. آه ياعزيز الأول، كم كانت أمك رائعة .. أخبرتني أمي بعدها بسنوات طوال، إنها شدتني مرارا من ذراعيها المحمومتين لتجبرها على الاسترخاء، لم تهدأ حرارتها اشتعلتا بركانا فوق رأسها .. لكنها تسترق دقائق الهدوء لتعاود إرضاعي مرة أخرى بإصرارعلى ان ابقى أخاك الذي لم تسندك به دون إرادتها.

"ارجعيه لي .. مازال امامي رضعتان وينتهي الامر، سيصبح اخاه، لاتدعيه يتركه .. لم انجب له عونا للزمن .. وأبوه أنا أعرفه .. سيتركه للوحوش لو تمكن أرجعيه لأنهي إرضاعه قبل إنتهاء ساعاتي الدانية .. لاتبتئس الآن .. أضمك ياعزيز الأول .. أملأ شفتيك اتساعا .. أكثر أكثر فنحن اصبحنا واحدا منذ زمن طويل، أجل عاود استخراج البسمة ولكن أكبر قليلا، أكبر .. ملأ الضحك صدره، فخاف كالعادة من نوبة سعال جافة لاتنتهي إلا بشق الأنفس .

مازال طرف عينه اليمنى يحرقه بشدة، داعبها بإصبعه أكثر من مرة فازدادت حرقة مؤلمة، قرقر الماء متدافعا رائعا نظيفا. امتلأت به كأسه، غمر عينه وفتحها على وسعها .. دوائر كثيرة تتدافع أمامه في المنتصف نقطة صغيرة لا تلحظها عينه الضعيفة تشبه الصفر ..1 ..2 ..3 بداية النهاية .. بل نهاية البدايات السقيمة التي تلاحقه.

اهتز صوته عاليا .. تعالي .. ت ع ا ل .. ي ..

ـ ليس الآن .. أف يالك من أخ مزعج.

ـ أخوك؟

وهل لي غيرك ياعزيز .. ارتج الامر بشدة أزعجته .. لكنها ماتت بعدها باسبوع .. هكذا قالوا .. ولادة بكرية انهت كل شئ، لم أبصر أبي، أقسم ان لا يراني بعدها، تلقفتني أيدٍ كثيرة، زرت محافظات متعددة يسكنها الاقارب، مررت بأصدقاء جدد، واعدت صداقات قديمة ..

مدارس واساتذة مزعجين .. واخرين يلذ لي ذكرهم دائما .. كل هذا كان يخلو منك متى جئت انت إذن؟ أتكونين أخته هو ؟ أم إنك لي وحدي أين انت ؟ أفيقي، وامسكي رأسي المتعب .. دوري حولي.

ـ اجعليني في نقطة البداية في المنتصف وشدي خيطي وافرديه، خلصيني من دوامة لاتنتهي .. ارحميني.

ـ تعالي .

ـ سآتي.

ـ متى.

ـ في المساء.

ـ الان.

ـ لا مازال الوقت بعيداً.

ـ ت ع ا ل ي.

ـ لا تصرخ.

ـ لماذا.

ـ قد توقظ النائمين.

ـ أين هم؟

ـ أكل هذه المستطيلات الممتلئة .. ولا تراها.

ـ اين نحن ؟ !

ـ في مقبرة كبيرة.

ـ تعالي.

ـ جئت اخيراً، سآتي.

ـ مد ذراعيك .. فقد حان الوقت.

 

 
 

 
 
       

 

الرئيسية  /  أبواب الموقع  /  كتاب مشاركون  /  من نحن  /  روابط لمواقع ثقافية  /  عن مؤسسة اتجاهات الثقافية  /  اتصل بنا

Telephone
00964 (0) 7901 789622
Postal address
P.O.BOX:
55478 Alawi post office - Baghdad - Iraq
Electronic mail
General Information: info@ittijahat.com
Webmaster: admin@ittijahat.com
 

Send mail to info@ittijahat.com with questions or comments about this web site.
Copyright © 2007 Attitudes S.A.C./ Baghdad- Iraq
Last modified: 10/28/08